روايات

روايات

أبراج المدينة

منشورات اتحاد كتاب المغرب بالتعاون مع اتحاد الأدباء في العراق، دار آفاق عربية، 1978.

” كان البياض شارعا طويلا ينتشر على جسد المدينة. بياض مقتول وقاتل للرؤية ينبسط على الشقوق والحجر والتراب ويُلَوِّنُ بالكفنية أحلامَ الساعة الثقيلة من نهار قائظ، لا يستر عورة شيء ويبتدئ من الجدران والأرض الإسمنتية التي تنتشر عليها الحفر والنقالة ذات الأذرع الخشبية الأربعة التي تُحْمَلُ منها بأياد مغشاة بقفاز من الجلد.

يصرخ البياض منذرا بوقت الخراب، في انتظار العاقبة الأليمة التي لم تعد تؤلم أحدا، وفجأة يأتي الضوء الكاشف ليتركز على السروال البني القاتم والقميص الأزرق، وعلى الوجه زرقة الاختناق.

يغضب البياض ويقرر أن يلفظ بالجثة الباردة من الغرفة البيضاء إلى أي مكان آخر.

ومرة أخرى يبدأ كل شيء من الرؤية، فالعين تهيم على سطوح الأشياء والكائنات، والنظر يسقط على الداخل أكثر مما يتجه نحو الخارج”.

يقول عنها الناقد نجيب العوفي:

“لا تغدو اللغة في الرواية (شكلا) صرفا، كما لا يغدو الوعي (مضمونا صرفا). إذ يمكن تحسيس نسق الوعي ضمن نسق اللغة ذاتها (طبيعة السرد- نحت الجمل والتراكيب- لون الأفعال والكلمات- خصائص الصور والمجازات- لعبة الضمائر- أزمنة الأفعال…). كما يمكن تحسس نسق اللغة ضمن نسق الوعي ذاته (توتر الوعي وتوازنه- اندفاعه ونكوصه- شفافيته وضبابيته- تأرجحه بين الصحو والغيبوبة، بين امتلاك اللحظة وافتقادها- خصائص تأملاته ورؤاه…) وهكذا تمطى اللغة مستواها الوظيفي والبياني المباشر إلى مستوى دلائلي واحد غير مباشر، أي تصبح اللغة لغة داخل اللغة. وبالتالي يطمح النص الروائي إلى أن يكون نصا داخل نص. وتصبح الطريقة التي يقال بها الشيء ذات أهمية حساسة في هذا الصدد، تفوق وتضاهي الأهمية المعطاة للمعنى المستمد مباشرة من اللغة. وقد اجتهد التازي في (أبراج المدينة) ليكسر جرانيت اللغة ويشق عصا الطاعة على أعرافها ونواميسها، وليخلق من ثم لغة بكرا ومتحررة مغسولة مما علق بها من كلس وآثار، قابلة لأن تمتص الشحنة النفسية والفكرية التي تحبل بها اللحظة الروائية المتوهجة، قابلة لأن تكون في مستوى الأزمة العضوض التي تنشب مخالبها في تلافيف الوعي والواقع. وكان طبيعيا لهذا الاجتهاد الخاص مع اللغة، أن يفضي إلى اجتهاد آخر خاص مع التقلب الروائي نفسه. كان طبيعيا أن يفضي إلى شق عصا الطاعة ثانية مع المصطلح الروائي. وهنا تتكرر التجربة الروائية المتمردة لأحمد المديني في (زمن بين الولادة والحلم) مرة أخرى. لكن على نحو أقل تطرفا وشططا. لقد دق الاثنان، التازي والمديني، الإسفين في المعمار الروائي وحطما نظام النص وأعادا توليفه على نحو خاص. وكانت النتيجة تداخلا غير مشروط بين الرواية والشعر، زواجا شرعيا بينهما حينا وغير شرعي حينا آخر. وإذا كان المديني في روايته قد تحرر من كل رقابة فنية، فراهن على جواد الشعر دون تحفظ وأطلق له الحبل على الغارب ليتخطى جميع الحدود والتقاليد الروائية، فإن التازي قد حافظ على نصيب من الرقابة الفنية وتعامل مع الرواية والشعر كفرس رهان. ففي الوقت الذي كانت فيه اللغة الشعرية تنهمر على فصول الرواية وتمارس طقوسها الخاصة بحرية، كان الهاجس الروائي يمارس طقوسه الخاصة والخفية بدوره، ويحاول شق عباب الشعر والخروج سالما أو شبه سالم منه، سواء بواسطة الحفاظ على بعض ظلال الزمان والمكان والأشخاص، أو بواسطة التحكم في منطق السرد وتطعيمه ببعض المواقف الحوارية، أو بواسطة خلق حركة مادية ونسبية أحيانا موازية أو مكملة لحركة اللغة والوعي. لكن رغم هذه التيمات والعناصر التي حاول الهاجس الروائي أن يسترد بها رشد الرواية ويحافظ بواسطتها على بعدها الأنطولوجي، تظل اللغة الشعرية هي روح الرواية. تظل فخا حريريا مغريا استسلم له التازي عن طواعية وسبق إصرار، آملا من وراء ذلك أن يصطاد ثلاثة عصافير بحجر واحد:

أ- أن يخلق لغة جديدة من رفات لغة قديمة. أن يسك عملة خاصة مخالفة للعملات المتداولة والمبتذلة. (قطيعة لغوية).

ب- أن يحطم الرواية داخل الرواية، ويخلق رواية مضادة مشرعة النوافذ لكل الرياح. (قطيعة روائية).

ج- أن يجعل الحديث الروائي في حد ذاته، موقفا وقولا إيديولوجيا. حديثا مباشرا للذاكرة والوعي توترهما ومعاناتهما من أجل التجاوز وبحثهما المضني عن الحقيقة (قطيعة إيديولوجية).”

رحيل البحر

الطبعة الأولى: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1983.

الطبعة الثانية: مؤسسة منتدى أصيلة، 2002.

“عيون الصحاب كالجمرات، وجمرة العشبة تتقد على الشفاه حتى مطلع الفجر. يتقد الرأس وتأتي الأحلام العجيبة، لكن السماء أخذت ترشقنا بصبيب مطر كالحجارة، والبسمة غاضت في ماء المطر.

لا بحر.

جلسةُ الترقبِ تطول أحيانا. لن تتبدل كآبة النهار إلا بانصرام فصل الشتاء. لماذا الصمت؟ أين هي رنة العيدان؟ هاتوا العود لأغني. لا نريد أن نكون حزانى. الليلة يرحل البحر. بقيت أيام وتأتي ليلة رحيله. أنا حسون ضاعت أغنيتي في البئر، ولن أسترجعها من البئر مرة أخرى، ربما أجدها عندكم، أو أسمع شخصا آخر يغنيها في مكان ما. لا يمكن أن تَضيع منا الأغنية، وقبل أن يرحل بها البحر، علينا أن نتذكرها ونغنيها جميعا. أتألم لهذا الصمت الذي يجيبني. الرؤوس منكسة، والأيدي وحدها تتحرك بالجمرات إلى الشفاه. صمتكم لا يعجبني. حتى محمد العربي صامت. تكلم أيها القارئ الوحيد بيننا. أضحك يا عبد الكريم فأنت لا تضحك إلا هنا في المقهى أو في الكانتينة، وها أنت هنا في مقهى الصخور. اضحك حتى تسمع المدينة ضحكتك، وتعرف أنك هنا”.

يقول عنها الباحث عبد الله التخيسي:

“والشعر في (رحيـل البحـر) يجري مجرى النسغ في الجذور والفروع من الراء إلى الراء: من راء رحيل البحر، عنوان ومفتتح الرواية، إلى راء الراوي، خاتمتها ص: 317، الحائرة والمتسائلة في آن عن دورها لتعبر عن عجزها عن الإجابة؛ كما لا أملك الجواب بدوري عن تلك الأسئلة ومثيلاتها من قبيل حدود السرد وحدود الشعر في الرحيل التزاما للوقت المتاح من الكلام المباح وسأكتفي بالإشارة إلى أهم مظاهر الشعرية في «رحيـل البحـر» وهي قائمة على خمس:

1-شعريـة الموضـوع.

2-شعريـة الإيـقـاع.

3-شعريـة اللغـــة.

4-شعريـة الـفضـاء.

5-شعريـة التنــاص.

وكل واحدة من هذه الشعريات الخمس تشير إلى جهة من الجهات كالنجمة الخماسية لدى النظرة الأولى لكنها بعد إمعان النظر تبدو متشابكة ومتداخلة بحيث لا نعثر على أولها ولا آخرها وكذلك حال الشعر في (رحيـل البحـر). فمن أين تبدأ الشعرية وإلى أين تعود؟

لن أغامر بالتجديف بحثا عن جرثومة التكوين والخلق تاركا للصدفة عقد هذا القران بين الشعر و(رحيـل البحـر). وصلة الاثنين متأصلة في الوجود والوجدان منذ كانا في قديم الزمان موضوعا وإيقاعا، حقيقة ومجازا، فلا شعر بلا بحر ولا بحر بدون شعر قبل أن يصبح الشعر بحور الرمل والبسيط وغيرها من الصافيات صفاء ومن المختلطات اختلاطا. وإنما هي ممتدة في نبض الحياة وإيقاعها في فضائها الواسع بلا حدود ولا قيود.”.

المباءه



الطبعة الأولى: إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1989.

الطبعة الثانية: إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2000.

الطبعة الثالثة: مكتبة الأمة، الدار البيضاء، 2005، وهي طبعة معدلة، مقررة على تلاميذ الجذع المشترك ثانوي.

” أخرج من المقبرة وأدخل باب الفتوح فأصل إلى الضريح في لمح من بصر. تستقبلني القطط، قططي التي بدت مفزوعة وكأنها قد علمت بقرب قدوم العيد الكبير، الذي ترتعب فيه القطط من مرأى الدم، فتغيب في مكان ما، وفي الضريح المقدم التهامي هو من يذبح كبشا في الساحة المقابلة للقبة، وفي تلك الساحة تقيم القطط وتتجمع، ولذلك فهي تهاجر، لكني أشتاق إليها الآن، وأنا ما أزال في المقبرة.

خطا خطوات بين القبور. كان يرتدي سروالا فضفاضا أبيض، وعباءة خضراء واسعة إذا ما تحركت الريح فهي تنفخ فيها ويصير قاسم وكأنه سوف يطير. فتح ذراعيه في الفراغ. فكر في أن أفضل ما تكون عليه الحروف هو أن يكتبها الإنسان على جسده، ولكن هل يحفرها بالإزميل كما يحفر الإزميل على الرخام؟

ويمكن، فلم لا يخط الإنسان على جسده حروفا كالوشم، لا حروفا وحدها بل أشكال وألوان، وحيث يصبح الجسد، الصدر والذراعان، مجالا لكتابة لا تكتب، وقراءة لا تقرأ، بل هو فقط، غابة أو جبل أو نهر أو قاع بحري، وفي كل منها أرانب وأسود وطيور مغردة ونسور وعقبان وأسماك ملونة وأقراش، وحتى الخرائط يمكن أن يرسمها الإنسان على جسده، ليحمل معه مدنا يحبها، وجراح أماكن، وقارات لا تعزلها عن بعضها سوى البحار والمحيطات”.

يقول عنها الناقد فريد الزاهي:

” إن قاسم يمارس لعبة خطرة هي لعبة الحرف. وبما أن هذا الأخير مو(ا)ت لكلام حيوي هو الصوت وتأبيد لراهنيته وتواصليته فإن حرفة قاسم [لنلاحظ الجذر المشترك للفظتين] كاشتغال على تأبيد ذاكرة الموتى يعطي للحرف وللحرفة طابعا طقوسيا وأنطولوجيا تعمل الرواية على حفر أعماقه. إن لوحة الشاهدة (كشاهد) ذاكرة للميت في اللغة كما الحرف والكتابة ذاكرة للصوت والمعنى. وكما الجسد موضع لما يسمى عادة الروح فالحرف موقع ومجال للمدلول. ولعل هذا التناسب هو ما يجعل الكتابة جسدية ويجعل من علاقتهما علاقة استبدال بامتياز. لا يكتفي قاسم بممارسة حرفية للحرف، إنه يحاوره في كينونته ويمنح له جسده كفضاء ممكن بل ضروري لكتابة لا تعارض فيها بين الحرف والصورة وبين الرسم والوشم والوسم والرقش. هكذا يتقاسم جسده مع الشاهدة لعبة الكتابة لتتحوّل إلى صفحة ذاتية قادرة على الامتلاك الفعلي لصيرورة الحرف وصيرورة هذه الأخيرة دلالة متجددة” .

أيام الرماد

منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1992.

“خرجت من الوقت وسافرت.

طائر الرخ يرى كل سفره قبل أن يتجه نحو أي مكان. من الطريق يخرج إلى الطريق. المسافة تعقبها المسافة. وهذه هي الأرض والسماء وهذا هو جنان يلتوي هابطا بين المنخفضات، والسفر لا أراضيُّ ولا سماويّ. لا حدود ولا موانئ. لا حراس ولا قراصنة ولا لصوص، ويمكن لطائر الرخ أن يختلق كل تلك الأشياء إذا ما أراد فيدخل أحد الموانئ ويركب البحر أو يدخل أحد المطارات ويركب السماء أو يخرج من أرض إلى أرض ومن حدود إلى حدود وهو يركب الأرض. لم يكن يسري أو يزحف أو يمشي أو يطير. الحركة كائنة وهو لا يدخل ميناء أو مطارا ولا يعبر الحدود، وكأنه يبقى في مكانه وهو يتحرك.

يتحدد المكان الذي يريد الوصول إليه بشجرة ضخمة متفرعة العروش وهي تنمو وحدها في العراء. شجرة سبق لطائر الرخ أن رآها في المنام أو التقط حولها بعض الوصف من حكاية أمه عن سيدنا الخضر، أو هي تلك الشجرة التي يوجد فيها الوكر.

يغشى عينيه نور الشمس دون أن يرى الشمس في إحدى جهات السماء الواسعة. ولسوف ينقر زجاج النافذة بمنقاره الحاد. والنقرة الواحدة يمكن أن تكسر الزجاج فيتسلل طائر الرخ إلى المكتب ويفتح الدرج بالمفتاح الذي انتشله من جيب البذلة العسكرية المعلقة على المشجب، ويعيد جناحيه المفقودين إلى مكانيهما.

كل شيء جاهز لهذا السفر البعيد، حيث سيطوف طائر الرخ بالجبال السبع سبع طوفات، ويبلل جناحيه من مياه سبعة أنهار وينقر سبع حبات من ثمار تشبه ثمار الجوز الهندي، ثم يطير مسافة سبعة فراسخ في اتجاه واحد دون أن يميل يمينا أو يسارا. يتذكر أن في جيبه كل ما يملك: القرطاس والقصبة المشحوذة الرأس ودواة الصمغ وبعض أوراق العملة الأجنبية التي تم تحويلها بمساعدة الرمضاني عند أحد التجار العملة.

وكأنه طائر وسط ماء، فقد كان يرى في سمائه الأسماك والحيتان وأحراج القيعان البحرية. الأوراق لا تبتل. الماء في العينين. في جيب سروال القطيفة الأزرق مفتاح، وفي تلك الطريق المائية السماوية السالكة نحو الشجرة الضخمة المتعرشة الأغصان تفحص طائر الرخ ما في جيوبه مخافة أن يخضع للتفتيش من قبل حراس عتاة أشداء، فوجد المفتاح، وأخذ يفكر فيما سوف يفتح بهذا المفتاح، باب الدار أو خزانة الحي الجامعي؟ هل هو مفتاح الصندوق الذي تركه الوالد؟ هل هو مفتاح درج مكتب القائد؟ مفتاح باب غرفة الفندق؟

حاول طائر الرخ أن يتذكر عدد المرات التي فتح فيها بابا أو أغلق بابا فلم يتذكر. ثم تذكر المرات التي أغلقت دونه فيها بعض الأبواب. وبعدها ظهرت له الأبواب”.

يقول عنها الباحث حسن سرحان:

“يتحقق “تقعير الشفرة” في رواية “أيام الرماد” من خلال مجموعة من الملفوظات الميطاسردية المنتشرة في طولية النص. وتتحدد الوظيفة المركزية لهذه الملفوظات في تلك القراءة الخاصة والنوعية التي تقدمها الشخصية- المؤلف (حامد العسلي) للرواية.

فحامد العسلي يضطلع بعدة أدوار في هذا النص. فهو شخصية وسارد ومؤلف وقارئ في الوقت نفسه: هو شخصية باعتباره مشاركة في أحداث الحكاية، وسارد باعتباره يؤدي الوظيفة السردية والتنظيمية للمحكي، ومؤلف لأنه يحكي “سيرة” روايته، وقارئ لأنه يمارس الوظيفة التأويلية التي تتمثل في تعليقاته وتنظيراته لسيرة الرواية: روايته.

تتكون رواية “أيام الرماد” من ثلاثة أجزاء موزعة في الشكل التالي:

الجزء الأول (من ص:9 إلى ص : 64). غير معنون.

الجزء الثاني (من ص:65 إلى ص: 105). يحمل عنوان: (أغوتني الرواية، الرواية غواية).

الجزء الثالث (من ص: 107 إلى ص: 304). يحمل عنوان: نوار الدفلى في العينين العوسج البنفسج.

ويضم كل جزء مقطعا أو مقاطع ميطاسردية بصوت الشخصية- المؤلف (حامد العسلي) أو إحدى الشخصيات، تعكس طرائق اشتغال العناصر التركيبية المكونة للنص الروائي. وتخضع هذه المقاطع الميطاسردية لتوزيع خاص يتحقق في أربعة أشكال:

– الأول يرد فيه المقطع موضوعا ين قوسين، ويملأ حيزا خاصا، أي يكون عبارة عن مقطع كامل يفصله عن باقي المقاطع بياض.

– والثاني يرد فيه هذا المقطع موضوعا بين قوسين، لكنه لا يشغل حيزا خاصا بل يدمج في سياق المقاطع السردية التي تضطلع بدور نقل أحداث العالم السردي.

– والثالث يتلخص فيه من القوسين ويشغل حيزا خاصا.

– والرابع يتلخص فيه من القوسين ويدمج في سياق المقاطع السردية الأخرى.

انطلاقا من التوزيع السابق، تصبح هذه المقاطع الميطا سردية مرايا داخلية تعكس إستراتيجية الكتابة الروائية كما يتصورها مؤلفها التخييلي (حامد العسلي). أي تعكس شفرة النص الروائي. ودون تحديد وضبط هذه الشفرة، لا يمكن تقديم قراءة ملائمة ومنسجمة للنص. فحامد العسلي يكتب الرواية وينظر لها في الوقت نفسه. ويتحقق هذا بطريقة لا تفصل بين النظرية والتطبيق. فهو ينظر لرواية يكتبها هنا والآن. وهذا الشكل في الكتابة الروائية يتجاوز فنيا ونظريا ما يسمى “الرواية داخل الرواية”، لأن الأمر لا يتعلق برواية- إطار تضم روايات تخييلية، بل برواية يكتبها “مؤلفها” ويحدد لها إطارها النظري الذي “يجب” أن تقرأ في ضوئه.”.

فوق القبور / تحت القمر

الطبعة الأولى: منشورات عيون المقالات، الدار البيضاء، 1989.

“ها هي العالية التي سمعوا عنها. العالية، عَرَّابَةُ هذا الكون الصغير، تعرف منهم أولائك الذين سبق لهم أن قاموا بالزيارة. تنظم أمور مبيتهم. توسع عليهم الغرف المعدودة بالتساوي، وتحتفظ في حزامها بمفاتيح بعض الغرف تحسبا لقادمين آخرين. لا بأس أن يكتظوا في الغرف في الليلة الأولى أو الثانية ثم أُوَسِّعُ عليهم فيما بعد. الحكمة تقتضي تحسب كل شيء، وعلاوة على ذلك، فحينما أوسع عليهم فهم يدفعون أكثر. هم في الغالب يتضجرون من الاكتظاظ في الغرف، وتزاحم الأسرة، ولكنهم ينامون في العراء، فوق القبور، مستبقين بذلك ما سوف يعيشونه في الليلة البيضاء. ها سلسلة المفاتيح في حزامي، ومن أراد مفتاح غرفة انفرادية فأنا أجدها له سرا، بيني وبينه، مقابل أن يدفع بالدولار أو بالفرنك، أو حتى الروبل أو المارك، لكني أحب ورقة الدولار الخضراء. من الرماد سوف أُخرج كل الأوراق المحروقة. أنا سأُخرجها من الحفرة السوداء رمادا، وسأكحل عيني برماد الدولار. انظروا. ها. عينا العالية مكحلتان برماد أوراق الدولار التي أحرقوها في العام الماضي. ها عيناي كحيلتان.

في الجهة المقابلة لصف الغرف، عند المنحدر، وعلى مشارف غابة الزيتون، توجد فيلات عصرية صغيرة بناها بعض الزوار الأثرياء، بعد أن اكتشفوا أن زيارتهم حج لابد أن يكون في كل عام، وما كانت نخوتهم تسمح لهم بالمبيت في تلك الغرف التي تشبه جحور الفئران، ولذلك اشتروا أرضا من (الميعرة) بثمن باهض وعليها أقاموا تلك الفيلات الصغيرة، والتي تقوم العالية بحراستها خلال العام، وتنظيفها قبيل الزيارة.

كانوا يأتون في موسم (الهيلولة) من كل عام، وإذا لم يأتوا فهم يرسلون من ذويهم وأصدقائهم من يقيمون في تلك الفيلات الصغيرة، التي تودع مفاتيحها عند العالية، فهم لا يكترونها لأحد، وفي بعض الأعوام لا يأتون ولا يرسلون أحدا للإقامة في تلك الفيلات، والعالية تعرف كيف تستغل المناسبة فتستضيف فيها ضيوفها الكبار، لتتاح لها فرصة التصنت عليهم، واكتشاف ما معهم من أشياء وما يتبادلونه من أحاديث، وهي تشرب معهم كأسا من (ماء الحياة)، وتدعو بعض الجميلات للسهر معهم، تغوي البنات للأولاد، والنساء لمن يليقون بهن من الرجال، وتذكر الجميع بالليلة البيضاء، وعيونها المتفرسة تختار هذا لتلك، وتلك لذاك، مؤلفة بين القلوب بكلمات لطيفة وغمز وابتسام ورقص هازل يضحك له النزلاء”.

يقول عنها الباحث محمد سويرتي:

” ومن المعلوم – في واقع الاستعمار والاستيطان الذي لا تزال هذا العالم المتدهور يعاني من شروره- أن للصهيونية رموزها وأساطيرها، كما أن للفلسطينيين رموزهم وأساطيرهم.

سنستخلص هذه الرموز والأساطير من الرواية الأصواتية (فوق القبور تحت القمر) لمحمد عز الدين التازي وهذه الرواية متعددة الأصوات هي التي تقترح على ناقد الأسطورة منهج النقد الأسطوري لأن الحديث عن قيام أسطورة (قصة: histoire) مرويها (récite). فهي تتحدث بالفعل عن رموز و/أو أسطورة فلسطين وتفضح –كما سيتضح بعد حين- أساطير و/أو رموز الصهيوينة”.

أيها الرائي

الطبعة الأولى: دار الأمان، الرباط، 1990.

“رأى الضحية الأشجار ورؤوس الرجال الحليقة وصحن (الكسافا) وخيمة الإله، وتجاهل أن يرى الساطور. اِنْهَار الجسد بضربة واحدة وسقط قرب الإله. توزع دمه وشربته الأرض. تناثرت روحه في الفراغ، ولكن جسده بقي على الأرض كما كنا نراه من بين الأجل وأعيننا تحاول أن ترى. قطع أحد الشيوخ اليد ورمى بها في القدر التي كانت موضوعة فوق النار، وبعد حين دعونا لأن نقف صفا واحدا، كل أفراد القبيلة في صف واحد، لنشرب من المرق ونأكل من كويرات (الكسافا). قال أحد العرافين سوف ترسل السماء ماءها، وحيتان النهر سوف تأتي إلى شِباكنا وسيبعد الإله عن أجسادنا مرض الضمور، ولن تقوى الساحرات على سرقة أعضاء أجسادنا. هكذا أسلافكم رقصوا في الأدغال وجثوا أمام خيمة الإله، ثم صار الأسلاف آلهة، أنتم أبطال القبيلة، فإذا عجز الأسلاف عن دفع الشرور عن القبيلة فأنتم تدفعونها بالتضحية وإلا عَاقَبَتْكُم العشيرة بالنسيان.

الأدغال صارت شارعا أوربيا والصرخة أصبحت ضحكة رجل يغازل امرأة بفجور نسوي. امرأة رجل، أو هو رجل على هيأة امرأة، خداه سمينان ورقبته شحماء، رأيناه من زجاج خمارة وهو يشرب من كأسه ويقبلها على خدها وينظر إلى عينيها وعجبت كيف يكون رجل على ذلك الشكل. خمارات ومقاه جلبت أنظارنا ونحن نتطلع إلى ما في الداخل من وراء الزجاج، كما نتطلع إلى محلات بيع الحلوى والقشدة المثلجة والدجاج المشوي. لا أحد يعطينا شيئا. القائد يقول هذه المدينة محطة عابرة في الرحلة، فأنتم لم تصلوا بعد، وحالما سنصل سوف تبدأ حياتكم بالعمل وستنسون كل ما رأيتموه هنا. رَوْ. تمتعوا بالرؤية كما يتمتع السياح الأثرياء. احملوا معكم في العيون بعضا مما ترون. انظروا ولا تلمسوا شيئا بأيديكم وإن فعلتم فيأتي البوليس ليقبض علينا. تمتعوا بالرؤية وتجولوا في الشوارع قبل أن نمضي في الرحلة، يمكنكم أن ترسلوا بأرواحكم بعضا مما ترونه إلى ذويكم في الأحراش، فأرواحهم سوف تتلقى الهدية منكم. أنا لا أرسل شيئا ولا أومن بالعلاقات الروحانية. أكسب من عملي في تسويقكم إلى معامل الغرب التي ترغب في يدكم العاملة وفي أجسادكم القوية ولا تهمها الأشياء الأخرى التي تخصكم. كل أسلافي ماتوا ولم يصبحوا آلهة. عَظْمَةُ الترقوة التي تخفيها أمي في صندوق لا أصدق أنها قد توارثتها عن جدها السابع، وحتى وإن كانت فما يمكنها أن تفيد؟ العظام وشعر الموتى والخواتم لا تدفع شرا. الساحرات لا يصرن بومات أو ثعابين. لا مجمع للأرواح. هناك الفناء. القلوب المخلوعة لا تعود إلى أجسادها، والعيون المسمولة لا ترى. لاشيء. لاشيء لاشيء”.

يقول عنها الناقد محمد أقضاض:

“يظهر أن العين الرائية خلال الزوايا الثلاث هي عين واحدة، ترى ذاتها وترى غيرها وترى ذاتها كما تتصور أن الآخر يراها. فلسنا إذن أمام عين مجردة تمارس وظيفة فيزيائية، إنها عين خاصة شكلها عمق الفن وحدة الوعي بالذات وبالآخر.

تتم الرؤية عبر العينين، وكل عين مكونة من عدستين متصلتين إحداهما مفتوحة على الخارج والأخرى مفتوحة على الداخل وهذه متحكمة في تلك. تلتقط العدسة الداخليـة ثلاثـة مجالات هي:

1 ـ الرغبـة المكبوتة بضغط الحرمان.

2- الحلم والتخيل.

3- الذاكرة المركبة. وتقع العدسة الخارجية. “.

مهاوي الحلم

الطبعة الأولى: البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع، القنيطرة، 1998.

“لمحت عيني قاتلي ولم أتذكر بعد. ذلك ما كان. لو كنت قد نجوت لكانت حكاية الأعضاء المحمولة على ظهر اللانشة مجرد وهم أو افتراء، ولكانت صورة الرجل الأصلع صورة من صور التلفزيون التي لا توجد على أرض الواقع، وأنا لا أشاهد التلفزيون، ولم أدخل السينما منذ طفولتي الأولى حينما تسللت من القرية إلى المدينة هاربا من قهر أمي وقهر زوجه صمصم بن قمقم. ولو افترضنا أن حكاية الأعضاء المقتلعة لكي تباع إلى أحد بنوك الأعضاء مجرد وهم فهل نشك في وجودنا في طنجة وفي مكان اسمه الرميلات بالذات؟

ذبحوني أو شنقوني، فعلوا الفعائل في ربيعة وبديعة تحت نظر الدكتور المقيد إلى شجرة، ورموهما إلى البحر.

حزوا رأس الدكتور بمدية وفصلوا الرأس عن الرقبة، بعد أن ذبحوه بخيط رفيع جارح وقاطع كأنه سيف مسرور السياف، لكنه لا يسيل قطرة دم، تراه العينان وهما نابضتان ويراه القاتل.

علقوا جثته على جذع إحدى الأشجار، بعد أن اقتلعوا كليتيه ووضعوهما في المبرد إلى جانب عيون وكلى ربيعة وبديعة، وأما الرأس فقد أخذوا منه العينين وأخفوه في حفرة في مكان معزول.

لعلى قد نجوت، فقد حسبت أن ساقيَّ قد حملتاني على الهرب. ربما هربت. هربت أو لم أهرب. وها أنا أستعيد تفاصيل كل ما وقع من الجحيم.

المحارق كانت لي وحدي، فقد رأيت بديعة تضاحك ربيعة. وربيعة التي لم تضحك ولم تضاحكني رأيتها في تلك الأيام الثلاثة الأولى من وجودنا في طنجة وهي تضحك بخلاعة ويتمطط صوتها وتميل على جانب وكأن رأسها سوف يهوي ليتدحرج على الأرض، أو ليسقط في حضن رجل. لكنها ترفع رأسها في حركة مذعورة من نفسها فتسوي جلستها وتسترق النظر إلى رواد المقهى الذين سيكونون قد لاحظوا ضحكاتها المتهتكة فانشدوا إلى جلستنا يتطلعون إلينا بفضول. ثم بعد حين تضاحك ربيعة الدكتور ويضاحكها وأنا أتابع المشهد بتوتر وإحساس بالضيق، وربما كان هذا المشهد يهيئ لي محرقا آخر تتفتت فيه العظام ساعة ينطفئ ضوء الغرفة وأخلد إلى استرجاع ما حدث لي في اليوم وقبله بقليل أو كثير، فلست أنا من يذهب إلى تلك الحوادث بل هي التي تأتي إلي، ففي يومي تحضر ربيعة وجروحها التي تغور في نفسي بعد طعنات غادرة وكلام مسموم، وفي الأيام الخالية تحضر أمي، وزوجها صمصم بن قمقم، ورفيقي عمر بنجلون، وأناس كثيرون، أنا أخرج من محرق وأدخل محرقا آخر”.

يقول عنها الناقد عثماني الميلود:

“ليس عبثا اختيار مثل هذه القوة الفاعلة وبهذا الاسم بالذات (يوسف)، الذي يحيل من خلال تماهيه الكلي المطلق بالنبي يوسف، يحيل على مسار حياة فريدة مترعة بالمكابدة والمعاناة والصبر والتجلد، ذلك أن كلا منهما طاله أذى أقرب الناس إليه، فلقد رمى الأخوة بأخيهم في الجب تخلصا منه، لما كان يتميز به من حظوة أثيرة لدى أبيه، كما ألقت أم السارد بابنها في ماء النهر إرضاء لرغبة زوجها. كما تعرض الاثنان معا في لحظة من لحظات انفساح الأمل والبشر إلى أذى الأنثى من جديد، هذه الأنثى التي كانت تمثل موئل الخلاص بالنسبة ليوسف النبي، تحرره مما هو مثقل به من الإحساس الفظيع بالغبن والظلم وقهر الأقرباء، فتتبناه وتعيد إليه الدفء، وتنسيه هم الحنين والضياع، لكنها ستمكر به وتراوده عن نفسه وتتهمه لإعراضه فيسجن… نفس الشيء ينسحب على حالة يوسف السارد في علاقته بزوجته ربيعة التي كانت في يوم ما، الأمل والحضن والدرع الواقي والتوازن. كانت الحلم الذي سيعيد إلى السارد توازنه النفسي في يقظاته المريرة، في تداعياته وصراعاته مع قوى الظلام المبتذلة”.

مغارات

الطبعة الأولى: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1992.

الطبعة الثانية: مطبعة الساحل، الرباط، 1994.

“رأيتُ أَحْصِنَتَهُ النافرة وشموعه وقناديله وسمعت الضحكات. وحينما تكلم لم يقل لي. كان في مكان آخر وها أنا أسمع الصوت وصداه.

التماثيل الطينية أُحِسُّهَا ناهضة في الممر وجرس الباب لا يرن.

واقف في المطبخ وحولي بعض أواني الفخار. فوق الرَّفِّ عُشْبٌ يابس تمتد سيقانه من المزهرية وترتخي في الفراغ. النباتات الخضراء فوق الثلاجة يُشِعُّ اخضرارها إلى جانب صحن يكاد يكون مليئا بالتفاح والعنب والجوز في قشوره. على الرف فناجين وصحون وعلب للتوابل، وشموع بعضها محروق وبعضها لم تَمَسَّ ذُؤابَتَه النار.

أينك أيها الصاحب؟

جئت إلى المطبخ أحمل في عيني صورتك وصورة الموقد. كلاكما النار والرماد. نَارُكَ رائعةٌ ومُشْتَهَاةٌ حينما تَلْتَهِب وتَنْشُرُ حدائقها في المكان. نار الفرح ونار الرقص ونار الغناء. نار الحكايا والذاكرة المُهْتَاجَة. نار البحر الذي هجرته بعد أن أحرقت السفن. نار الشَّيْبِ الذي اشتعل في الرأس. نيران أخرى نسيتها الآن. والموقد ليست به نار، من فوهته العميقة الغَوْرِ تَتَدَلَّى نباتاتٌ طرية يَسْمَقُ اخضرارها في هشاشة وبهاء. لمساتك الجمالية رتبت كل شيء هكذا، وكأنك أنت، في مكانك الشهي المُعَدِّ للْفتنة واستقبال مزيد من الجراح حتى آخر شهقة وآخر نَفَس. السرير واسع واللحاف أبيض مزركش الحواشي. الوسائد، واللوحة التي على الجدار، فوق الرأس، يَتَخَرَّمُ جِيرُهَا عبر قشور رقيقة تَحُدُّ مكان الخط، وازْرِِقَاقُهَا النِّيلِيُّ يَشُقُّ بعصاه بحرا وَهْمِيّاً يُشَكِّلُهُ الامتداد. ذاك هو السرير كأنه القبر المشتهى، مكان للهدأة والحلم والشبق، وتكسير حواجز الصمت الذي يرتفع كل يوم بين الحاضر والماضي، فقد انْهَدَّتْ ذاكرتك أيها الصاحب ولم يعد لك ما تقوله لنفسك سوى استعادة كل الأماكن التي تجعلها أبدا تحضر في طنجة وأنت تتحدث عن الأرق الطنجاوي الذي لا يشبهه أرق آخر، ولا شيء أيها الصاحب سوى هذا السرير والكتب والموسيقى والتماثيل والأغراس، وأنت”.

يقول عنها الشاعر المهدي أخريف:

“تتكون (مغارات) من خمس مطالع يرد بعضها منسوبا إلى رموز تراثية فقط بقصد التوهيم الفني.. خمسة مطالع هي بمثابة مداخل صغيرة تقودها، الواحد تلو الآخر، إلى وسط الدار، إلى طنجة، إلى الكتابة والحكايات.. فماذا نجد؟ نجد مجموعة فصول قصيرة متتابعة هي أشبه ما تكون بأنفاس متلاحقة ترسم مشاهد متعددة لفضاءات وتستثير استيهامات شخوص وحوارات متصلة بطنجة.

أما السارد الذي يحكي ويصف ويتخيل فهو سارد تجريب ماكر ومتلون إذ ما إن يفسح المجال لبعض الشخوص كي تقدم انطباعاتها عن المدينة حتى يعود إلى الانشغال برفيقه في الطريق، بأنيسه وأليفه الذي يتماهى معه مرة وينفصل عنه أخرى، إنه (الصاحب) مدار الخطاب من خلال محاورته ومساءلته تمرر حكايات وآراء ولغات وتخيلات.. والصاحب هذا ليس له اسم لأن التواطؤ المعلن بينه وبين السارد جردها من مطبة التعين والتسمية.

واضح إذن أن هذه الرواية تسعى إلى الخلخلة والتفكيك وبعثرة الأوراق، أولا بتجنبها خط السرد التقليدي بإطاره الزمني الخارجي، ثم بخلقها لتفضية مغايرة تسمح بالانقياد لرعشة اللغة وانفلاتاتها ولسلطة الكتابة في النهاية. يتضح ذلك عبر:

أ)تعويم الملامح الواقعية وأسماء الأمكنة والمحكيات والملفوظات ذات المرجع الواقعي في دوامة من الانعطافات والتحولات السردية، والاستيهامات والأحلام مما أضفى على الرواية بعدا فانطاستيكيا مميزا.

ب)التعليقات والآراء التي يدسها السارد في قلب عملية السرد منبها إلى طبيعة اللعبة، لعبة الكتابة ذاتها.

ج)إدخال سرد خارجي على السرد الروائي، أي رواية داخل رواية، وذلك حينما يقرأ الكاتب البيضاوي بلسان السارد على سامية (في فندق قيلا دو فرانس) فصولا من رواية له عند طنجة لم تكتمل بعد.

من مميزات الكتابة في هذه (الرواية) هيمنة الشعري عبر الكثافة الرمزية للسرد، وكثافة الوصف والتوتر الإيقاعي للأنفاس السردية.

إن هيمنة الشعري هذه، سواء في (مغارات) أو غيرها من روايات محمد عز الدين التازي تستحق وقفة قرائية خاصة.”.

ضحكة زرقاء

الطبعة الأولى: روايات الزمن، العدد 2، يوليوز 2002.

” تذكرتها قبل حين وقلت طنجة هي تلك المرأة الزرقاء. كان عمي ميمون ينقل عن الفقيه الرحموني أن طنجة ثؤلول على راحة اليد لا يداويه إلا الحرق. وأنا حين تذكرتها قلت هي طنجة ، لم أنسها في يوم من الأيام وهي كائنة في شارع فاس أو في شارع الحرية تعلن حربها مع نفسها ومع توترات وجنون المدينة الذي لا يهدأ، ترسخ في الأرض والتراب وتكبر في الفراغ آتية بزمن الترقب والدهشة والانتظار، تنتظر الفرصة المواتية لتفاجئ العالم بدهشة غير متوقعة .

امرأة من ريح

ديمة أو سحابة

نبية وثنية تعشق النار

وراءٌ أو أمامٌ لخرائط طنجة المنهارة

شهوة تستحق مجيئها مبكرا

في ضحى

أو أصيل

أو زوال.

امرأة يعرفها الطنجاويون ولا يعرفون أنفسهم، يحلمون بكابوسها الثقيل ومُزَحِهَا المغيظة وشرودها ا

كائنات محتملة

” كل المدن التي تنشأ فهي عادة تنشأ على فراغ، وحيث لا يكون شيء من آثار الخطى أو الذكريات، فقبل أن تكون هناك في زرقانة المرسى والديوانة ومحطة القطار، وقبل أن يظهر البنك ومركز الشرطة ومقر الباشاوية و المجلس البلدي، ما كان في زرقانة غير البرج، والعبيد الذين يعيشون بداخله و حواليه. برج بناه أحد الملوك القدامى لحماية الثغـور، وبأولائك العبيد كان يحارب ويَصُدُّ الهجمات ويحمي الثغر البحري، لكنه مات فبقوا هناك منسيين إلى أن جاء من أطعمهم وسَلَّحَهُمْ وأعاد تجنيدهم لحروب أخرى مع القبائل. وكان إلى جانب العبيد الذين يسكنون البرج أغراب جاءوا من القبائل ينتظرون أن تحدث معركة حربية ليتجندوا فيها مقابل ما يمكن أن يحصوا عليه من مكاييل القمح و الذرة وزيت الزيتون، وهذا لا يهم، فقد جاء يوم تجول فيه السنيور فردريكو سبيانو على متن فرسه الدهماء، وسار حول النهر ومضى بفرسه نحو البحر المحدود بجبلين ثم مشى نحو الخليج البحري وغابة الكالبتوس وكثبان الرمل الهائلة في الشمال. وفي تلك الجولة واتته فكرة بناء مدينة صغيرة، فالسنيور سبيانو مهندس متخصص في هندسة المدن، ولقد أغراه المكان القاحل بتنفيذ خطة فأنهى جولته على فرسه الدهماء وتفرغ لوقت قليل لدراستها من كل الجوانب وتوظيف كل العناصر البشرية و الطبيعية لصالحها. اغتبط السنيور سبيانو، وشرب كأسه، ودعا امرأته لمراقصة جميلة، وكان قد خطط لكل شيء.
بدأ الأمر بالتخطيط لمدينة هلالية الشكل، تقع محمية بالجبليين بين مصب النهر وبين الخليج البحري، وكثبانُ الرمال وإيجاد مقالع للأحجار يمكن أن يساعدا على ترصيف الطرق واختطاط معالم مواقع البنـاء، وفكر في مولد كهربائي، وفي جلب المياه من الآبار وتصريف الفاسد منها في مطامير سوف يستفها الرمل، كما فكر في بناء كنيسة كاثوليكية في وسط المدينة و في إنشاء حدائق صغيرة.
وفر المواد واستأجر الأغراب الذين كانوا ينتظرون حدوث معركة ليتجندوا فيها فجندهم في أشغال البناء وترصيف الطريق وزرع الأشجار. والحوانيت الأولى التي فتحت أبوابها كانت لتزود عمال البناء بالمواد الغذائية، كما بني أول حمام عمومي يسخن الماء بالحطب لاغتسال العَمَلَةِ في ليلة الجمعة وقد اتخذوا من ساحة عراء مكانا لصلاة الجمعة بعد أن اتخذوا من بينهم مؤذنا وإماما، وقد شجعهم السنيور سبيانو على ذلك، ومنحهم عطلة في يوم الجمعة للصلاة كما ضاعف في ذلك اليوم من أجرهم ليذبحوا ذبيحة ويطبخوا الكسكس لغذاء جماعي فكان يأتي للغذاء معهم وهو ريان من خمرته منتش و ضاحك يتعلم منهم بعض الكلمات بالعربية ويعلمهم بعض الكلمات بالإسبانية، وأخذ يتبادل معهم النكاث والتمازح.
ثم فتح أول مقهى فظهرت لعبة البار تشي، وجاء بعض الأسبان للسكن في منازل جديدة فظهرت الحانة، والكنيسة، كما بني أول مسجد، ومع ظهور البحارة جاء السمك بكل أنواعه، كما فتح أول جزار محلا لذبائح الغنم و البقر. وأما الإسبان فكانوا يأتون بلحم الخنزير معهم، وبالخمور والورد والعطور والفواكه، كما جاء سكان الأماكن في سوق أسبوعي بالدجاج والبط وفراخ الحمام والتوت الأرضي والجزر والتين والأجاص والبرقوق، وعبقت الأماكن بروائح البشر والطبيخ وظهرت بعض العادات.

يقول عنها الناقد محمد أمنصور:

” ككل الآلهة المؤسسة للأفعال النموذجية في الأزمنة الأصلية، يقدم فدريكو سبيانو مهندس المدن الإسباني على تخطيط وإنجاز بناء مدينة زرقانة المتاخمة للبحر الفاصل بين إسبانيا والمغرب، وهو تأسيس ستنصهر فيه عناصر تاريخية (البرج) بأخرى أهلية، شبه بدائية (الزنوج) مع عناصر وافدة تنتسب إلى الأزمنة الحديثة (الفوتوغرافيا /السيارة المكشوفة /عري النساء الأوروبيات في الشواطئ). مما سيجعل عملية الخلق تكتسي طابع التكامل بين القديم والحديث، إن لم نقل الكمال. إنها محاولة لإيجاد أصل ثابت لفضاء روائي متخيل يتيح للكاتب إمكانية استكشاف الواقع المغربي المأزوم ومسألته دون إحالة مرجعية مباشرة إليه، وبهذا المعنى. فلا وجود لزرقانة إلا في مخيلة محمد عز الدين التازي (أو قناعه=صلاح) الذي كاد أن يجعل منها يوتوبيا قائمة على الأرض، لولا أن تعقب مصائر كائناتها المحتلمة بين الصعود والانهيار سيضع جوهر العملية السردية (التشخيص) في قلب التحول من مدينة الحلم الفردوسي إلى مدينة الجحيم الأرضي، من المدينة –المثال إلى مدينة البخل والفضائح والنسيان والعطالة والقمع والحرمان.”.

خفق أجنحة

الطبعة الأولى: طوب بريس، الرباط، 2002.

” صليت الجمعة في المسجد وتغذيت ثم نمت قليلا وخرجت إلى جنان السبيل. امتلأت عيناي بالخضرة والظلال تخترقها أشعة شمس خاملة وأنا أتجول بين الرياض والأشجار الباسقة. جلست على كرسي وعاودتني الأفكار.

كنت قد رأيت في ليلتي حلما جاءتني فيه صبية بيضاء أثيثة الشعر، ضاحكتني وقالت لي أنا شفيقة ابنة عمك عبد الحق، وأمسكتني من يدي وأخذت تسير بي بين الدروب وهي تسرع الخطى، حتى وصلنا إلى باب خشبي مهتريء دفعته فظهرت لي الجنان والأغراس وأخذتني إلى تحت شجرة فقطفت منها ما ملأ حفنة يدها من تين ناضج كبير الثمرات وأخذت تنزع القشر عن التينة وتطعمني إياها وهي تبتسم، وأنا آكل من ذلك التين مبهورا بحسنها واقترابها مني وشعرها الأثيث يحف حول خدي وعنقي ورائحتها الأنثوية توقظ المكامن في عروقي، ولما حاولت أن أقبلها أشارت لي بيدها نحو أطراف الجنان فرأيت قبورا متراصة وقالت لي هذه هي مقبرة العائلة، وقبر أمك وأبيـك هناك، فتعال نزور القبور. نهضت من مكان جلوسي تحت الشجرة وسرت معها وهي لا تكف عن إطعامي من ثمار التين حتى وصلنا إلى القبور وأنا أعجب كيف تكون القبور وسط هذه الجنان. قرأت ما كتب على الشواهد ولكني لم أجد اسم أبي الحاج عبد الرفيع السراج ولا اسم أمي لالة شرفة البنانية، ولما سألتها عن قبريهما ضحكت وقالت لي هذه القبور كلها لهما ولموتى العائلة، أحد أجدادنا هو الذي جعل من طرف هذه الجنان مقبرة عائلية، وإذا لم تصدقني فاسأل الرباع وهو سيؤكد لك ذلك. وجدت الرباع يقف أمامنا وفي يده المعفرة بالتراب فأس أو قادوم كان يفتح بها ترع الماء لسقي الأحواض، لكنه قال لي أنا حارس هذه المقبرة، وما كان عليك أن تغيب عن زيارة قبور أهلك كل هذا الوقت. أراهم في الليل يتجولون وسط هذه الجنان وأسمعهم يسألون عن الأحباب، أسمع أمك تذكر اسمك، فأنت عبد الحي، وهي تظنك ما تزال رضيعا ولذلك تظل تناغيك. قالت له شفيقة لا توجع قلبه فقد كان مسافرا في أرض بعيدة وأنا أتيت به بعد أن نسي طريق العودة. أحضر لنا الشاي بنعناع هذه الأحواض يا عمي العباس.

وذهب نحو العشة التي يسكنها فأخذتني من يدي إلى شجرة إجاص قطفت منها وقربت إجاصة من فمي فعضضت منها وعضت هي منها من نفس المكان، وظلت تنظر إلي وتبتسم، فحاولت أن أقبلها لكني شممت من ثيابها رائحة الحموضة، ووجدتها قد صارت هي ميمونة، وما عدت أرى الجنان ولا قبور أهلي، ولما حاولت أن أبتعد ظلت ميمونة تلاحقني وهي تقول تعال يا حبيبي، وكلما كنت أبتعد عنها إلا وأستدير خلفي فأراها آتية ورائي والمسافة هي نفسها حتى وقد أخذت أعدو في اتجاه الفراغ، ولما تعثرت في شيء وسقطت على الأرض أدركتني ميمونة وارتمت بجسدها على جسدي وأخذت تحاول أن تنزع عني ثيابي، لكني أفقت وأخذت أتأكد من أن أي شيء لم ينقض وضوئي فأنا ذاهب في الغد إلى صلاة الجمعة”.

يقول عنها الروائي والناقد محمد برادة:

” في روايته العاشرة ( خفق أجنحة، طوب بريس، الرباط، 2002) يتوغل محمد عزالدين التازي في ملاحقة الهواجس وصور الذاكرة المنفلتة وتجليات الواقع المتحول وتطلعات الذات الكاتبة إلى أفق أرحب يتحقق عنده التوازن الروحي المتمنع. .

ومنذ نصوصه الأولى وهو يتموضع خارج الواقعية وطرائق صنعها المعهودة. من روايته الأولى ( أبراج المدينة ) إلى ( كائنات محتملة ) الصادرة منذ أشهر، وهو يوالي التجريب والبحث عن معادلة فنية تستوعب مدخراته من السرد والتأمل ورصد الذات في صراعها الدائم مع عالم خارجي لا يكف عن الانفجار. ومن ثم فإن النفس الشعري المتدفق في نصوصه، يعانق فضاءات مدن مغربية ذات أبعاد أسطورية ليحفر له أخاديد ومسارات تنتشل الوقائع والأحداث والشخوص من أمكنتها المألوفة لترتقي بها إلى مدارج الحلم والظلال الموحية.

باستثمار هذه العناصر يقيم التازي بينه وبين القارئ تعاقدا قوامه التخييل الذي لا يتقيد باستنساخ وقائع وشخوص، بل ينحو إلى إعادة تشكيل العلائق والولوج إلى مناطق من المسكوت عنه…

في هذه الرواية ( خفق أجنحة ) نجد الكاتب يقسم النص إلى ثلاثة مشاهد تحمل العناوين التالية:

1) إضاءة الأرض.

2) وجه الإنكار.

3) أشكال الروح.

والمشهد الأول يفيد بأن الشخصية الأساسية في الرواية ( عبد الحي السراج) أو ( وسنان )، قرر أن يتوجه نحو الجبل ليعتزل العالم ويروض حواسه و ( يقترب من المستحيل). إنه لا يبدأ من البداية ولكنه، وهو يشيد بقرار عزلته وتصميمه على اختيار جسده ونفسه، يلخص لنا بعض الأحداث المتعلقة بحياته والتي قد تكون وراء هذا الاختيار، بذلك نعلم أن ( عبد الحي ) يتيم فقد أبويه عندما تهدم البيت وهو بعد طفل، وأن (سيد الحبيب) تبناه وعلمه الخياطة، وأن زوجة متبنيه (لالة الطام) شخصية قوية كانت تدير زوجها كالخاتم في إصبعها. . . لكن هذا المشهد الأول لا تقتصر أهميته على أنه ينقل إلينا نتفا من حياة (عبد الحي) الذي سيعرف تحولات وانعطافات، بل نجد فقرات كثيرة مكثفة ذات لغة مصفاة تضفي طابعا تجريديا يتعالى على الزمنية المتعاقبة ويمزج بين التواريخ والفضاءات.”.

الخفافيش


الطبعة الأولى: وكالة الصحافة العربية، القاهرة، 2002.

“حيث لا مكان

فالأماكن كلها تتسع لاختراقات الزمان

وبين ما يمنحه الإنسان للمكان

وما يريده المكان للإنسان

ألف مسافة للكشف والبيان

صدفة يمكن أن يتوغل الكائن في كينونته، وهو يبدأ لحظات الذهاب الأولى نحو جهة من الجهات الست المعروفة.

ومع ذلك الذهاب في كل واحدة منها يفقد ما كان ينطوي عليه من دهشة واكتشاف، وتصير كل جهة كان قد ذهب إليها الكائن مخزونا من التجارب والأفكار والقلق وطرق المواجهة وحالات الخيبة والأخطاء التي منها يتعلم أو لا يتعلم الإنسان.

وهي جهات ست، ولكل واحدة منها ذهاب مُضْنٍ، شاق، مُعَذِّبٌ ومُسَلٍّ، مُتْرَفٌ باللذات والحنين. وكل واحد منا قد يظن خطأ أنه هو الأول الذي ذهب في جهة من تلك الجهات، بينما تؤكد التجارب أن لكل جهة آثار خطى من كانوا قد عبروا مجاهلها وساروا في مفازاتها حتى جعلوا لكل جهة من تلك الجهات تواريخ غير مكتوبة وعلامات كأنها ليست مجردة وإنما هي أبعاد لجغرافيا لا أدري هل اختطها الكائن أم أن وجودها كان قد تحقق قبل وجود الكائن.

وصدفة أيضا، يجد الكائن نفسه وهو يتوجه نحو جهة سابعة هي التي تصبح مدار حياته حتى وإن كانت رُكْنًا قَصِيًّا يوجد خارج الجغرافيا المعروفة أو زاوية للنسيان، فهي الصدفة التي تجعل الكائن يصل إلى هذه الجهة السابعة ليسكنها أو تسكنه وهو يختزل من خلالها الأبعاد والتفاصيل والجراح، وهي جهة محفوفة بالأسرار والأوهام والألغام، ففي كل لحظة يتفجر جرح أو لغم، ليعيد الكائن إلى جهة من تلك الجهات الست، وكأنه قد ارْتَجَّ، أو ارْتَدَّ نحو بعضٍ مما كان، ومع ذلك الارتجاج والارتداد يخرج الكائن من ظلمائه وضوء عينيه حتى يرى ما كانت قد تكشفت عنه بعض التفاصيل.

ذلك أن الجهة السابعة هي فراغ كبير هائل، يمتلئ دوما باشتباكات عجيبة لكل تواريخ وعلامات وآثار تلك الجهات الست، فهي جُمَاع، وكلُّ مُلْتَحِمٌٌ وغابة من الأضواء و المعتمات” .

يقول عنها الباحث والقاص علي القاسمي:

” يبدو أن التازي، وهو يحيا في الجهة السابعة، جهة السرد الروائي التي هي “جماع ما يمكن أن يوجد في الجهات الست (ص 10)، أراد أن يكتب كتابا يجمع ما في الكتب في كتاب واحد) (ص 11)، فألف رواية الخفافيش لتكون( أم الروايات ) التازية.

والذي يؤهل رواية الخفافيش لحمل هذا اللقب، كنوها تتناول ثلاث موضوعات رئيسة :

الموضوعة الأولى بادية للعيان وهي صورة الأم ودورها في الأسرة العربية الإسلامية.

والثانية تهيمن على نص الرواية، وهي موضوعة العشق وما يصحبها من علاقات عاطفية وغرامية، وما قد تنتهي إليه من زواج، وما قد يعقبه من سأم وملل وكره وعداوة بين الزوجين.

والموضوعة الثالثة لا تبدو في النص بدرجة وضوح الموضوعتين السابقتين، ولكنها لا تقل أهمية عنهما، وهي فعل الإبداع الأدبي ووظيفة الكاتب، وقد بث التازي عناصر هذه الموضوعة في ثنايا الكتاب بطريقة ذكية خفية، فجاء ورودها عفويا تلقائيا، لا تلتقطه إلا العين المجربة المدققة.

وترتبط هذه الموضوعات بعلاقة وثيقة تضمن للرواية وحدتها العضوية وتحقق التناغم والتناسق بين أبهائها.”

زهرة الآس



الطبعة الأولى: منشورات سليكي إخوان، طنجة، 2003.

الجزء الأول:
واد رشاشة الـمـأخــوذ أخذوني. أنـا مـأخـوذ. جلابيبهم زرقاء واللحى مُدَبَّبَةٌ والوجوه سمراء مُعَظَّمَةٌ والنظرات خزر. يتشابهون في اللباس والصورة حتى ظهروا لي وكأنهم شخص واحد يتضاعف ثلاث مرات، فلا فرق بين الواحد والآخر. وها أنا أمضي نصف محمول، فقدماي تلمسان أرض الطريق وتتحركان في خطى عمياء متناثرة وأنا لا أسير بإرادتي ما دمت مدفوعا نحو السير، واليدان اللتان أشعر بهما تُطَوِّقَانِنِي كأنهما تحملان جسدي بعض الحمل، مع دفع من الخلف، وحلقي ناشف لا يقوى على الصراخ، وكان لغط الشارع يصل إلى مسامعي وأنا أحس بدفعي نحو الصعود من “زقاق الحجر” إلى “الطالعة الصغيرة”، ولم أعرف إلى أين. فـي ظـلـمــة القبـــو كان إطْبَاقُ الجراب على عيني يعيدني إلى ظلام القبو الذي كان قد رماني فيه زوج خالتي “أحمد الأكحل” في “عقبة الزرقاء” وأغلق عليّ الباب بالزكروم من الخارج. لم أكن قد فعلت شيئا يغضبه، بل إنه كان يباسمني ويلاعبني ويملأ شدقيه بالهواء ثم يفرغهما محدثا صوتا كالضراط، وكان يبرز لسانه ويديره حول شفتيه وأنا أحني رأسي نحو الأرض وأتقزز من حركاته التي استسخفتها والتي لايقوم بها سوى المعتوهين. ولم يكن “أحمد الأكحل” معتوها، بل كان خياط جلابيب أغلق دكانه في “الصاغة” وجلس في الدار كما تجلس النساء، وقال إن كساد الصنعة وإضرابات الوطنيين التي يدعون من خلالها إلى إغلاق الحوانيت هي السبب. رأيت الظلام. حدقت بعيني ولم أر حائطا أو أشياء ملقاة على الأرض، وكان “أحمد الأكحل” قد ساقني مدفوعا، حتى نزلت بضع درجات وهو من ورائي يدفعني نحو النزول ويضحك، وحينما أستدير نحوه تفزعني نظراته الغريبة وتبدو لي أسنانه الصفراء المنخورة. في ظلام ذلك القبر جاءت الحمائم البيضاء ورفرفت بأجنحتها وأخذت تَرِفُّ وتَطِشُّ سوادَ الظلامِ ببياض أجنحتها بحركات رعناء وكأنها تضج بضيق المكان. صار الظلام أبيض وكأن أجنحة تلك الحمائم كانت تَرُشُّهُ بالجير وبقيت هناك أرقب بياض ذلك السواد، وأرى الحمائم البيضاء تَرِفُّ في الظلام. حينما سمعت باب القبو يُفتح من الخارج، لم أنهض من مكاني، فقد بقيت مكوما على الأرض وركبتاي تَسْنِدَانِ عنقي وأنا أنظر إلى بياض ذلك الظلام. ناداني “أحمد الأكحل” وقال لي أخرج يا عبد الفتاح فلم أنهض، حتى دخل وأخذ يدفعني نحو القبو. وأنا لم أقل لأحد إنني قد رأيت بعد خروجي من القبو خالتي مفكوكة الشعر وصدرها شبه عار وحركاتها مضطربة وهي تحاول أن تُسَوِّيَ ثيابها أو أن تخفي آثار عض على شفتيها، كما كانت تحاول أَلا تلتقي نظراتها مع نظراتي. أصابتني الحمى في تلك الليلة، وأخذت أكلم تلك الحمائم البيضاء التي رأيتها في القبو وأطلب منها أن تنادي جدتي “لالة رقو” حتى تأخذني من هذه الدار، وكانت خالتي لا تدرك الحمى التي تسري في جسدي، وعندما حدثتها عن الحمائم التي في القبو قالت لي هل جننت يا عبد الفتاح يا وليدي ؟ لاتوجد حمائم في ذلك القبو، ونحن في وقت الشدة. ليس لدينا حمام نربيه في سطح الدار ولو كان لذبحنا فراخه وطبخناها مع البصل أو لجعلنا منها صحنا من الكسكس، وإذا كان زوجي متعجلا على الطعام أشوي له فرخين لِيُمَلِّحَ بهما فمه قبل تحضير الفراخ بالزبيب والبصل. من فمك لله. الحمام ؟ قال الحمام في القبو! عبد الفتاح. مالك ؟ لماذا ترتجف هكذا ؟ هل أعطيك كأس ماء لتشرب؟ وكأني أرى تلك الحمائم الآن وهي تُخَضْخِضُ بأجنحتها البيضاء في الظلام وأنا صاعد مع “الطالعة الصغيرة” ورأسي مغطى بجراب الدوم، وأنا مأخوذ لا أعرف إلى أين. الجزء الثاني : شم النسيم فجنان السبيل الــعـشـــابــيــن افْدَاكْ العَامْ جَاتْ واحد الليلة اهْبّْتْ فيها رِيحْ اعظِيمَة، وايْمْكْن يا سيدي اتضحك، كانوا شِي اوْحْدِينْ فالسينما ادْيَالْ العشابين تيتفرجوا افواحد الفليم اديال مانكالا البدوية. راه فيلم هندي آسيدي. واش اعمرك اشفتي؟ إيوا ما اعْنْدْنَا غَرَض. قلت لك كانوا تَيْتْفْرّْجُوا افالفيلم وما عندهم اخبار باش واقع في الدنيا. الله أعلم. ايمكن كانوا تيشربوا البوخة. اعلا حسب ما قالوا الناس. كانوا تيشربوا وتيشوفوا مانكالا تتشطح والنقطة اديال الزين اعلى جبهتها. شي شوية ابْدَاوْا تَيْتْكْلّْمُوا بالهندية. يمكن بيناتهم أو حتى مع مانكالا، وبدا شي ما تيفهم شي. هي مانكالا فالفيلم وهما كان تيحساب لهم يمكن اتجاوبهم أو تخرج من الإزار واتجي حتى لعندهم واتقرب منهم واتشطح لكل واحد فيهم قدامه حيث انسوا أنهم ياسيدي ابْلِّي راهم فالسينما اديال العشابين وابداوا تيظنوا ابحال ايلا راهم فالهند. وقلت لك ياسيدي افهديك الليلة اهْبّْتْ رِيحْ اعْظيمَة، يمكن كانت جنوبية، وابْقَاتْ ساعتين، يمكن شيء ساعتين ادْ المگانَةَ أو هكذاك، والعياد بالله راها اطيحات الديور واقلعت الشجر وماتوا اشحال اديال الناس بالردم. يومين وهما تيحفروا باش ايخرجوا الموتى من تحت الردم، وحيث جاوا ادفنوهم مجموعين فالمقبرة اديال المسلمين جاوا شي ناس وقالوا هاذ الشي احرام، واش حتى الميت ما ايْتْوْسْعّْشِي افْقْبْرُ؟ واش حتى الانسان املي يموت تحت الردم أو بالنار بالحرق أو حيث يتوفاه الله ما يكونشي عنده قبر اديالوا بوحده؟ هاذ الشي احرام ! غير اجمع هذا مع هذا وارم فالحفرة ؟ يَاكْ لاَبَاس ؟ مازال فْاقْلُوبْنَا شِي اشْوِيَّة ادْيَالْ المُحَانَنَة، واخا حتى اعلى الموتى. كلنا غدي نموتوا. الله يتوفانا مسلمين. ايوا ياسيدي جاوا الأندلسيين وقالوا ما ايْتّْدْفْنْ احتى شي ميت حتى انمشيوا للقرويين وانطلبوا الفتوى من العلما، راهم افالشريعة الإسلامية غدي ايقولوا لنا آش خاص ايتعمل، والتقليد ايبقى على ارقبتهم. وامشوا للقرويين، والعلما قالوا لهم اللي ماتوا تحت الردم ماتوا شهدا، حيث ماتوا مغدورين، والشهدا تَيْتْدْفْنُوا مجموعين افْقْبْرْ وَاحَد، حيث كلهم للجنة بإذن الله تعالى، وراهم تيتدفنوا ابْحْوَايْجْهُمْ ابْلاَ كفن ابلا تغسيل اديال الميت، غير نصليوا علهم صلاة الجنازة. واحد الأندلسي قال للعالم واخا كانوا فالسينمـا اديـال العشابين وتيشربـوا البوخـة؟ آ اشْمْنْ شُهَدَا هَادُوا؟ والعالم قال له واش أنت كنت امعاهم؟ لو كان كنت امعاهم لو كان راك حتى أنت مْتِّ تحت الردم. قل الله اعلم. رَاهُمْ مَاتُوا تحت الردم. ايوا الحرق والغرق والردم اللي مات بيهم مات شهيد. وذاك الأندلسي ما اتْسَعْ له شِي هَادْ الكْلاَمْ افْرَاسُه، وقال للعالـم إِيوَا هي انْرْدُّوا اقْبُورْهُمْ ابْحَالْ اقْبُور الأولياء والصالحين؟ هاذ الشي اللي ابقا! إيوَا آسيدي أنا مَا كُنْتْشِي مْعَهُم. الله يحفظني من ذاك البَلاَ! واشنوا تيحساب لك آسِيدْ العَالْمْ تَيْوْقْعْ فالسينما؟ إيوَا هي كل واحد داخل للسينما يمكن تَيْدْخّْلْ معه سجادة باش ايصلي. إِيوَا آسِيدْ العالم كان اخصك اتدخل للسينما واتشوف بعينك وتميز الحلال من الحرام، وراه ظاهر. والعالم قال له اللجاج فالدين ماشي امزيان. ياك ماتوا تحت الردم. ايوا غير ادفنوهم مجموعين وابْلاَ كَثْرْةْ الهْدْرَةْ ابْلاَ فَايْدَه. وذاك الأندلسي اضحك شي ضحكة وْأنْتَ تْفْهْم، وقال ارْمِهَا على عَالْمْ وسِرْ سَالْمْ. ولكن غير هو دْوّْرْ وْجْهُه وهو قال العلما ادْيَالْ آخر الزمان هادوا! راهم آ اسيادنا كانوا تيشربوا البوخة وماتوا مْدُوّْخِين، إِيوَا انْرْجّْعُوا مْنّْهُم شُهَدَا بالدّْرَاع! آش هاد المصيبة؟ واغدا ايْجِيوْا ناس اخرين وايْحْسَابْهُمْ شُهَدَا بالصَّحّْ، وايْبْنِيوْا على قبورهم القبة وايْدِيرُوا لهم المقام. وعام آخر اهْبّْتْ واحد الريح اعْظِيمَة ابْقَاتْ الثلثين من الليل واطْيّْحَاتْ الدّْيُورْ والحْوَانْتْ والجوامع وماتوا بالردم أزيد من ماية وثلاثين نفس نسال الله السلامة والعافية، ومع هذيك الريح انْزْلْ ثَلْجْ اعْظِيمْ وما ابْقَا حَدّْ لا تَيْخْرُجْ ولا تَيْدْخُلْ، وحتى الدجاج كله مات وما ابقا للدجايجية فالعشابين ما ايْبِيعوا، ورجعت الدجاجة ايْلاَ لْقِيتِهَا تَتْسْوَى مال قارون، ويمكن غير شي افْخِيَّذْ منها تَيْذُوقُوا الجار للجار، والفروج ارجع له بَالْ، أما المْبَاعْـجْ فايـن هما؟ وما ابقا بيض. البيضة جمدت ابْدَاكْ البرد الله يحضر السلامة ومات فيها الفلوس. إِيوَا الدجايجية ابكوا على ارزقهم وما ابقا لهم ما ايعملوا. اخْوَاتْ الحوانت اديالهم فالعشابين وقال لك ياسيدي مع قلة الشغال راهم ابداوا تيدخلوا للسينما باش ايسخنوا. النفس مع النفس تَتْسْخّْنْ! وعاد البوخة ومانگالا البدوية تتشطح والنقطة اديال الزين على جبهتها! إيوا صافي! اكْمْلَتْ! واش شفتي الفليم اديال مانگالا البدوية؟ آنا ما شفتوش ولكن شفت الفيلم ادْيَالْ ساحر جهنم. الله يبقي الستر. ايوا مصيبة راها وقعت. الدجاج مات والسطوحـا مغطيين بالثلـج وقُـلْ لْشِـي مُـودّْنْ ايْزْعْـمْ وايْطْلْـعْ للصمعـة، راه ثمـة ايْبْقَـا واللـه ما يهبط، ايْتْكْبّْصْ مع الدروج قبل ما ايْوْصْل، وقل لشي امرا تنشر شي تصبين! الكَبْرَاتَاتْ ارجعوا هما اللي خدامين. غير النافخ والكبراتة، وما بقا لشي حد ما ايْجْبّْدْ الجلابة فالسطح بالحْجْر ادْيَالْ الجْبُودْ. فاس رجعت بيض . كل شي ابيض. ايْلاَ اخْرْجْ شِي وَاحْدْ من داره راه تَيْرْجَعْ ابيض. الشجر ابْيَضُوا والحْيُوطْ ابْيَضُوا، والطيور الله أعلم فين اتْخْبّْعُوا. حتى الطالب الجواهري الفْرَايْضِي اتْكْمّْشْ افْدَارُه واخْتُه لاَلة الطَّامْ ما ابْقَاتْ لا تتخرج ولا تتدخل، والناس ارجعوا ابحال الدجاج قارق. إِيوَا ياسيدي هذي هي الريح العظيمة منين جات لفاس. وافواحد العام ياسيدي عاود تاني نزلت الظليمة من شي وقت فالنهار حتى لصلاة الظهر، وما ابْقَا حتى شي واحد تيشوف فين ارجله تَتْزْطْمْ والناس ما تيعرفوا بعضهم إلا بالصوت والكلام. – آ اهْيَا ! فَايْنْك؟ – آ وِيلِي وَاشْ ما تَتْشُوفْشْ؟ – أنا الحاج عبد الهادي. ها أنا واقف افْوْسْطْ الدار. كاين شي شمعة؟ – يا سيد الحاج أنا لالة البتول. ها أنا واقفة قدامك. – فَايْنْ الطريق؟ – بَاغِي اتْطْلَعْ للفوقي؟ – والله ما اعرفت فَايْنْ غدي انْمْشِي افْهَادْ الظلام. ارْجْلِيَّا اتْلْفُوا. – واش اسْدِّيتِي بَابْ الدَّارْ ياسيد الحاج ؟ اعْنْدَاكْ الشّْفَّارَا ايْدْخْلُوا. – ووَاشْ هُمَا شَافُوا امْنِينْ ايْدُوزُوا لباب الدار ؟ كل شي راه اعْمَا. إِيوَا ياسيدي اسمعت آش قال الحاج للحاجة ؟ سكان فاس اعْمَوْا كاملين وحتى واحد ما ابقا تيعرف اطْرِيقُه. حتى الشّْفَّارَا ما شَافُوا ما ايْسْرْقُوا، واخْصّْكْ ياسيدي ايْلاَ ابْغِيتِي اتْعْرْفْ الفْلُوسْ ولابد باش اتْفْرْكْهُمْ افْيْدّْكْ واتْقْلّْبْ الحاشية واش حرشة أو رطبة، ايْلاَ كانوا ادْيَالْ النيكل، والورقة تعرفها واش كبيرة أو صغيرة، باش تعرف واش هي اديال عشرة ادْ الريال أو ادْيَالْ عشرين ريال، وهذاك النهار ياسيدي ما اعْبْرُوا اعْلِينَا غير العميان ادْيَالْ ابْصَّحْ، راهم ابعدا مدربين على الظلام، وأنت عارف ياسيدي اقْبْطْتْ الأعمى افالظلمة، ايْلاَ اقْبْطْ الفلوس أو اقبط افْشِي امْرَا والله ما ايْطْلْق، اتقول اصبعانه وايديه اديال الحجر. إِيوَا رَاهُـمْ ابْعْـدَا عـارفـين الـطـريــق، وعارفـين الـفْـلُـوسْ وحتى ايْلاَ ابْقَا هَـادْ الظّْـلاَمْ هكـذا راهـم ما خاسرين وَالُوا، ولكن مع الظهر الله سبحانه وتعالى مَنّْ اعْلِينَا ابْفْضْلُه، وارْجّْعْ الضَّوْ للعينين، ولكن حيث ادخل الضوء على الظلام ابقاوا الناس شي ساعة ادْ المَگانَة وهما تَيْشُوفُوا وْمَا تَيْشُوفُوا وَالُوا، حيث ذاك الظلام ابْقَا افْعْيْنِيهُم، نسال الله السلامة والعافية. واعنداك اتضحك. راه كان اخصك ياسيدي هنا، افهاد القهوة اديال العشابين واتكون هاديك الظليمة جات واتعرف ابحق الضو. واش اضحكك الأعمى أو لا اضحكك اللي تيشوف وراه ارجع أعمى مع هذيك الظليمة؟ شوف آسيدي، قل الله يستر علينا كاملـين. أما افواحد النهار راه اهجم الجراد والزرزور على فاس. جَاوْا اقْدّْ اقْدّْ، واهْجْمُوا على الشجر. ماشي غير الزيتون، راهم اكْلاَوْا الأوراق والأغصان وعَرَّوْا الدنيا من الخضورة، وحتى الخشب اكْلاَوْهْ. واش شفتي هاذيك التوتة الكبيرة اللي افوسط العشابين ؟ سبحان الله راها دَابَا عَاوْدْ اخْلْفَتْ، ولكن كان خصك تشوفها مسكينة لا ورقة لاعود. إِيوَا ياسيدي تَيْخْلْفْ الله على الشجرة وما تَيْخْلْفْشِي على احْشَّاشْهَا. وَاشْ اعْرْفْتِي ؟ الزرزور رَدّْ السّْمَا ادْيَالْ فاس اكْحْلاَ، ابحال ايْلاَ شِي اسْحَابَةْ اكْحْلاَ دَايْزَة فالسماء، وولد الحرام الجراد، راه ادخل حتى لقلب الديور والدرازات والحوانت، واكْلاَ السلعة اديال الناس، وما ابقا لسكان فاس غير ايْمْشِيوْا عند السحارة ايْسْحْرُوا لْهَادْ الزّْرْزُورْ وهاد الجراد ايْمْشِيوْا افْحَالْهم. رَاهِيَ الصحرا! رَا الخْلاَ! رَا الجَّايْحَة! غير ايْخْلِّيوْا فاس افْظْلّْهَا واخْضُورْتْهَا ونَاسْهَا افْحَالْهُم. بَارَاكَا اعْلِينَا هَمّْ المْخْزْنْ وما دَايْرْ فِينَا، عاد انْزِيدُوا ابْهَمّْ الجّْرَاد! يوَا ياسيدي الناس قالوا هاذي كلها غرائب وعجائب عاشتها فاس بسبب هَادْ السينما ادْيَالْ العْشَّابِينْ والمْصَايْبْ والبُهْتَانْ والفُحْشْ اللِّي تَيْوْقَعْ فيها كل انهار. إيوا ياسيدي واش السينما احرام ؟ العلما مَا قَالُوا وَالُوا وراهم شايفين وساكتين. آش قال ذاك الأندلسي؟ قال لك ياسيدي ارْمِهَا اعْلَى عَالْمْ وسِرْ سَالْمْ. ولكن راه قالها وهو تيضحك شي ضحكة وأنت تفهم. إِنَّمَا شُوفْ. حيث ابْدَاوْا الفاسيين تَيْتْكْلّْمُوا بْالهِنْدِيَّة، رَاهْ ثَمَّةْ اتْفْهْمْ آش تَتْعْمْلْ البُوخَة. ولكن هذا عام آخر، هذا عام الفاسيين وراهم تعلموا يتكلموا بالهندية، والعشابين راها فيها كل شي. الجزء الثالث: دار الدبيبغ روح مـديـنــة تَلَبَّسَتْنِي حالة فاس وقد خِلْتُهَا تغدو على راحة يدي روحا تطوف باحثة عن برزخ من برازخها. في تلك الليلة لم أنم، وبقيت أرقب مظاهر المدينة وهي تتحول وفاس تصير امرأة أو طائرا أو قطرة ماء أو ذكرى من الذكريات. ولقد جاء من قال لي إنما العين والقلب هما الجارحتان النيرتان وبهما ارتقيت إلى أن أرى روح مدينة وهي فاس تحل في المباني والمآثر والمساجد وعلى ألسنة الناس وفي المراقد والمدافن وفي سطوح المنازل. عين أو سقاية أو نافورة يجري فيها الماء في باحة منزل والمنزل لا يظهر وإنما أسمع رقرقرة الماء وهي تسري في الحنايا وتُرعش جسدي برهبة وتناديني تلك الرقرقة يا عبد الفتاح وأنا غارق في الظلام لا أرى شيئا من مظاهر فاس وإن كنت أحسها تطوف قريبة مني، وإذا ما فتحت عيني ورأيت فإنني لا أرى سوى شجرة برتقال عجوز يبست أغصانها وتعفنت البرتقالات المدلاة من تلك الأغصان وهي توشك أن تسقط. وها هي الرقرقة في الحنايا تشعرني بتلك الرهبة وأنا سهران في تلك الليلة وأسمعها تناديني بصوت الماء يا عبد الفتاح. هل أَهُبُّ إليها ؟ وماذا سوف يفعل بي ذلك الماء ؟ يسقيني من عطش أو يطهرني أو يغسلني وأنا ميت حي أم يلاعبني ويتسع حتى أعوم فيه وأهبط الى القيعان؟ وإذا كان الماء يناديني فسيأتي معه فصل الربيع وتبدأ النزهات في جنان فاس أو في “سيدي احرازم” أو حتى في “جنان السبيل” وسيستبشر القلب ويبدأ زهو أهل فاس وستعود قصيدة “الملحون” وستغرد الحساسين وسيعود لشجرة البرتقال هاته اخضرارها وسأخرج أنا من ظلامي إلى الضوء. كل هذا سيأتي مع نداء الماء. لكن مظاهر المدينة لا تظهر لي وقد غَدَتْ فاس امرأة أو طائرا أو قطرة ماء أو ذكرى من الذكريات. هل أنت واهم يا عبد الفتاح ؟ انظر إلى راحة يدك وأمعن النظر وسترى الخرابات ومشاغل الخرازة والدرازة وسوق “الصّْبَّاطْ” و”المَرْقْطَانْ” و”القيسارية” و”سوق الرصيف”. سترى الأشياء كلها، والكل والبعض، والزليج والرخام وحروفا خُطَّتْ بتنميقات الجبس والحفر على الخشب وسترى البساتين والغلال والضحكات والأقاويل وحصارت فاس والزوايا والمراحيض والجوامع. وأين كل هذا يا عبد الفتاح ؟ اسمع ! الماء يناديك برقرقة هادئة تتسلل من الماء الذي يدخل في الماء وتأتي إلى حناياك فتشعر بهذه الرهبة وهذه القشعريرة تسري في جسدك وأنت راحل من ظلام إلى ظلام وعيناك رائيتان وإن كانت فاس قد تَخَفَّتْ عنك وكأنها قد غَدَتْ روحا تطوف باحثة عن برزخ من برازخها. وأنت المُرْتَوِي من عطش بذلك الماء ! أنت المطهر المُغَسَّلُ في انتظار من يلفك بالكفن ويعقد الثوب الأبيض عقدة عند القدم بعد أن كان قد عقد عقدة وأدخل الجسد في الكفن ! أنت السابح في الماء ولا ماء وأنت الرائي دون أن ترى ما يعرض لك من مظاهر فاس ! أنت الراغب الطالب في فاس وهي الآن تتخفى عليك، ألا تغدو روحا وتعانق روحها وتسيران نَيِّرَيْنِ مضيئين نحو سماء عالية لا حدود لها ؟ وهل أنا قضيت؟ ها هي دموع الصبيان ووشوشات الطيور وأدخنة الأفران والحمامات وها هي الأبراج والشرفات التي على الغرف والبساتين والروضات. ها أنت وهذا الماء وهو يترقرق وأنت ترهب رقرقته وما هو إلا صبوة من صبوات فاس وقد صارت في المحل الأرفع من برازخ عالم روحه كالأرواح كلها. يقول عنها الناقد محمد الميعادي: ” لعل التيمة الأساس التي ينهض عليها المحكي النصي داخل هذه الثلاثية، تيمة بسيطة جدا ومألوفة ف التدوال الاجتماعي الشعبي، إذ يتعلق الأمر باختطاف ثلاثة فقهاء سوسيين سمر الوجوه، مدببي اللحى، وزرق الجلابيب، لطفل صغير سيساعدهم – بعد أن توفرت فيه شروط هذا الخطف- على كشف واستخراج إحدى الكنوز المطمورة في إحدى دهاليز أغوار، أو بيوت، أو صهاريج، أو أقواس، أو أبواب، أو جدران، أو مقابر، أو دروب مدينة فاس… فيأخذون الطفل بعد أن يضعوا على رأسه ما يشبه الجراب، ثم يحلقون رأسه ويكتبون عليها وعلى راحة كفه، مربعات وأعمدة ومستطيلات وحروفا وأرقاما، وطلاسم هي من وحي السحر، ويطلبون منه أن ينظر إلى راحة كفه التي ستتحول بعد إمعان النظر والتأمل، إلى مرآة صقيلة تكشف مكان وموضع هذا الكنز المطمور، ومن غير أن يرفع رأسه لأنه إن رفعها، ستختلط الطلاسم والعبارات،و تتلاشى الجدران والأقواس والأبواب… وتختفي المرآة فتضيع الرؤيا. هذه هي الحكاية ببساطة، فكيف قدم السارد موضوعته الحكائية… هل قدمها بهذه الخطية التي تبتدئ بالخطف، وتنتهي بعد أن تتوهج الأحداث وتتوتر الوقائع، باستخراج الكنز أو بعدم استخراجه على شاكلة النسق السردي التقليدي؟ أم أنه سك لكتابته شكلا سرديا مغايرا، ومفارقا لهذه الخطية الكلاسيكية في السرد؟.”

دم الوعول

الطبعة الأولى: منشورات سليكي إخوان، طنجة، 2005.

“عجوز قال لنا هذا آخر الزمان، يقع فيه كل شيء، وأن ترى الحفاة العراة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان. وهاك المثال، فرجل من بني تغلب سأله الإمام علي كرم الله وجهه لماذا تؤثرون معاوية فقال التغلبي ما آثرناه ولكننا آثرنا التمر والقمح والزيت على نبقى جياعا. فطلبنا منه أن يفسر كلامه فقال الناس الجهلاء مع من يدفع لهم، وأما الناس العرفاء فمع من ليس له ما يدفع لهم. وقلنا له أوضح فقال إن تفسير الواضحات من المفضحات.

ثم اقتربنا من امرأة، ولما سألناها نظرت نحو الكاميرا وابتسمت وأخذت ترسل السلام والتحية إلى عزيز وفوزية ونهاد بالقصر الكبير وإلى كل الأعزاء بقصبة تادلة.

واقتربنا من شابة أخرى قالت أنا طالبة بكلية العلوم، فلما سألناها قالت الأقزام كما هو معروف هم قوم قصار القامة، وهم من المخلوقات عباد الله الذين يدعوهم الناس فيما بينهم بالأقزام، ولكن لا أحد يجرؤ على أن ينادي القزم بالقزم، احتراما لمشاعره وحتى لا يشعر بتنقيص بين الناس، ولكن رغم هذا فالقزم هو القزم.

وقال لنا رجل كهل إن الأقزام لا يوجدون إلا بين الرجال، فهو لم يسمع عن امرأة قزمة، وإن كانت موجودة بالفعل فسيكون الرجل هو الذي جعلها قزمة، أي أنه قد قصر من قامتها، أي أنه قد حد من أفعالها، أي أنه لا يحب أن تكون في مثل قامته، وزيرة، مستشارة للملك، قاضية، فسألناه هل تتحدث عن غبن الرجال لحقوق النساء فقال لنا أنا رجل كما ترونني أمامكم، ولكني أفضل أن أعيش في ظل امرأة، فهي شجرة، وأخت وأم وحبيبة، وسألناه عن قاسم أمين فقال كان يدعو العرب لأن يتنازلوا للنساء عن رجولتهم، وسألناه عن الإشاعة التي تحوم حول عبد الرحيم الأزرق فقال أما أن يكون الإنسان عاديا ويتحول إلى قزم، فذلك يرجع إلى خداع البصر، أو إلى حيل السينما.

وضحكت امرأة عجوز وقالت يا وليدي كاينين فالحجاية، نعاود لك شي حجاية على هدوك اللي ربي مسخهم وردهم قصار؟ كانوا ما عندهم حتى حاجة غير السلالم، بها تيطلعوا يشوفوا الدنيا، وسلالمهم قصار، فاين غدي يطلعوا بها يا وليدي؟ ربي مسخهم وقصرهم، وما خلا لهم غير الحلامات. فالحجاية يا وليدي راهم كانوا يتحلموا بشي حلايم. نعاود لك على الحلايم ديال هدوك الناس اللي حلاماتهم قصيرة، ولكن طويلة بزاف، وراهم مطورين حتى فالحلايم تيكونوا حاضيين راسهم. نعاود؟ واحد فيهم كان حلم ب. . .

وسألنا رجلا عن عبد الرحيم الأزرق فقال شوف يا أخي، هاد الإسم سمعت به، يمكن هو رئيس المجلس البلدي.

ثم سألنا شابة نفس السؤال، فقالت عرفاه. متأكدة من الجواب. لو كنت في برنامج من سيربح المليون لأعطيت الجواب الصحيح. فقلنا لها من هو، قالت: سوبير ستار.

وقالت امرأة ترتدي جلبابا وفي يدها باقة من النعناع هو، هو هداك، اللي تيقلبوا عليه البوليس، راه قاتل سبع أرواح وهاجم على العزبات من غير شرع وهربان، ولكن أنا والله ما شفته ولا عارفاه فين هو مخبع.

وقال لنا حارس سيارات كان يشم من حين لآخر من كرة السلسيون آخويا هاد البلاد مالها؟ آش تيوقع واحنا ما عندنا خبر؟ إيوا صافي غدا يرجع كل شي قزم، حتى أنت وأنا وهداك. وآجيوا انتموا اللي جايين من التلفزيون. ديروا شي قناة للأقزام. احتياط. يمكن تنفع فالمستقبل، منين يرجعوا العرب كلهم أقزام قدام أمريكا وإسرائيل. وعرفتوا آش غدي تديروا فالتلفزيون، ديروا شي خريطة جديدة، صاوبوا لنا فين نوقفوا، راها الأرض ما بقاتش تحت رجلينا، وعليها مسكين هداك عبد الرحيم اللي تتسوا عليه، راه مسكين بحالي، الأرض هبطت، وهو قصار. ها انتموا آخوتي شوفوا. بقات شي أرض تحت رجلينا؟ ماشي هو بوحدوا، حتى هدوك المعنكرين، الرقبة مشحمة، والبطن خارجة، والسيارات والعمارات، راهم أقزام غير ما عارفينش”.

يقول عنها الناقد محمد المسعودي:

ترجعنا رواية ” دم الوعول ” إلى نصوص روائية عالمية وعربية اتخذت من السخرية مرتكزا لتشكيل عوالمها السردية ومجالا لتصوير رؤية السارد للحياة من حوله انطلاقا من بناء تخييلي رمزي يتخذ من موضوعة التحول أو المسخ بعدا لخطاب روائي ينسج بلاغة مخصوصة في أفق الإمكانات اللامتناهية التي يتيحها فن الرواية للتعبير والتصوير. هكذا أرجعتنا رواية محمد عز الدين التازي الأخيرة إلى تحولات أبوليس ومسخ كافكا وإلى دون كيشوت سرفانتيس وأعمال إيفلين ورواية “كوميديا الأشباح” للروائي العراقي فاضل العزاوي وغيرها من الأعمال الروائية الرائدة في الرواية الساخرة. فما سمات التصوير الساخر في رواية “دم الوعول”؟ وكيف وظفها السارد لتشكيل رؤيته للواقع الاجتماعي وللحياة من حوله؟

امرأة من ماء

الطبعة الأولى: منشورات سليكي إخوان، طنجة، الطبعة الأولى: منشورات سليكي إخوان، طنجة، 2005.

” المرأة التي كانت معي بيضاء رخية الشعر شفتاها منفرجتان وعيناها واسعتان والضحكة تخرج منهما لتملأ العالم كله بالفرح.

براءة وجهها توحي بالطفولة بضة الجسد فستانها أبيض نصف كَمٍّ وحول العنق شريط من الدانتيلا.

صرت نسمة هواء وأنا أَهُبُّ عليها كما تهب الريح التي تحمل لقاح الشجر.

اهتز فرعها.

صارت شجرة رأيتها مرة تنو وسط صحراء ومرة رأيتها تسمق وسط الأشجار ومرة رأيتها تنحني وقطوغها دانية.

بدت كأنها تراني وتمشي معي حيث أمشي خاصرتها سرنا بين مدينة ومدينة نتفسح وندخل المحلات لنشتري ما يعجبنا وأنا وهي مبتهجين بما نراه في الشوارع.

دخلنا (قاعة شاي مدام بورط) وطلبنا كوبين من العصير رشفت من الكوب وهي تغمض عينيها ثم فتحتهما لتراني سمعنا شبانا يجلسون بقربنا يضحكون وأحدهم يقول:

ـ رجل يجلس مع شجرة في المقهى.

يقول عنها الناقد محمد المسعودي:

كيف يتشكل التمثل الدرامي للذات ولمدينة طنجة في رواية “امرأة من ماء” لمحمد عز الدين التازي؟ وما الأدوات التصويرية التي يستند إليها الكاتب لتشكيل عالمه التخييلي عن الذات والمدينة؟ وما الدلالات الرمزية والواقعية التي تثوي خلف هذا التمثل السردي للمكان؟ **

كُتبت رواية “امرأة من ماء” على لسان شخصيتيها المحوريتين: زين العابدين وزهرة اللتين تتناوبان السرد الذي يتداخل فيه الماضي(عبر الاسترجاع) مع الحاضر. إن الطابع المونولوجي(الحوار الداخلي)يطغى على صياغة النص في أفق جدل حواري بين الشخصيتين الأساسيتين، وبواسطته يكشف السارد توتر علاقتهما، وتوترهما في علاقتهما بالآخرين وبالواقع من حولهما، وبالخصوص في علاقتهما بالمكان: مدينة طنجة.

يتداخل في المونولوج السردي/الحواري لكل من زين العابدين وزهرة الماضي بالحاضر فيولدان توترا سرديا وتشابكا في الأحداث وامتدادا دراميا متناميا على الرغم من أن الطريقة التي بنيت بها الرواية حديثة الشكل تتوزع أحداثها وتتداخل وقائعها وتتعدد فيها زوايا الرؤية السردية ما بين السارد زين العابدين والساردة زهرة. (ص.14-15)

وبين امتداد صوتي الراوي/البطل والراوية/البطلة وهما يراوحان بين الحاضر والماضي عبر سردهما المنولوجي المباشر، تنبثق أحلام الراوي في مشاهدها الرمزية والأسطورية، ودلالاتها الواقعية والنفسية لتكسر نمطية السرد الذي يركز على المعيش اليومي للبطلين. إن الأحلام تصبح طاقة شعرية تمنح النص سمة التنوع التخييلي والأسلوبي. وبذلك تعد أحلام السارد نقلة إلى الكشف عن الدواخل، كما أنها نقلة إلى مستوى آخر من مستويات الإيقاع السردي في الرواية. وهذه النقلة السردية يتواشج فيها تصوير معاناة السارد مع تصوير درامية
واقع المدينة.

بطن الحوت

الطبعة الأولى، منشورات سليكي إخوان، 2006.

“بقيت أسير من سرداب إلى سرداب وأنا أبحث عن سبيل للخروج حتى أعاود البحث عن عتيق فلم أجد أي سبيل. أحسست بالتعب، وفكرت في حاجة جسدي إلى قسط من الراحة. لا أدري أ كان الوقت ليلا أم نهارا. في ذلك الخلاء الذي كنت فيه لم يحل الليل وقد طال النهار، أما هنا فقد أخبرتني ساعتي البيولوجية بأن الوقت ليل، وربما كان ليلا متأخرا فقد بدأت أتثاءب. أين سأنام؟ هل سأنضم إلى جماعة من جماعات تلك الغرف، أم أنام في منعطف من منعطفات أحد السراديب؟

الفوانيس القليلة الضوء تضيء السراديب بضوئها الخفيف الذي يسمح برؤية باهتة فلا تتضح الأشياء إلا من معالمها.”

“توهمت حربا تقع بين النزلاء، يخترعون لها أدوات التنكيل والقتل. يبرع كل فريق في اختراع تيكنولوجيا جديدة لقهر العدو. تتفتق العبقريات عن اختراعات عجيبة لا تخطر على بال، فقد تجاوز الزمان النبال المسقية بالسم والسيوف التي لها صليل وهي تقارع السيوف والمنجنيق، كما تجاوز الرشاشات الأوتوماتيكية، والدبابات والطائرات المغيرة التي ترمي بآلاف الأطنان من المتفجرات وهي تدك الأرض من تحتها وتدك حتى الجبال، إلى أسلحة أخرى أشد فتكا، ويمكن، إذا ما وقعت تلك الحرب أن تتهدم الجدران التي تحيط بالسراديب، ,أن يرى الناس ضوء الشمس، وأن أخرج، ولو من تحت الأنقاض لأبحث عن مدينتي وعن ولدي عتيق”.

يقول عنها الناقد رشيد بنحدو:

تستهل رواية “بطن الحوت” لمحمد عز الدين التازي متخيلها بمطلع عادي قصير يقول «صعدنا الحافلة أنا وأم كلثوم وولدنا عتيق وسط زحام شديد. تحركت ببطء، ثم انطلقت بسرعة وهي تندفع. تقدمت أم كلثوم نحو الوسط. بقينا أنا وعتيق في الخلف، ويده تمسك بيدي » (ص.5).

بعد هذا المطلع مباشرة، ستشرع الرواية في نقل القارئ من وضع لا شيء فيه خارق للعادة إلى عالم درج عرف النقاد على نعته بالفانطاستيكي أو العجائبي، وذلك لافتقارهم إلى لفظ آخر ربما أكثر ملاءمة. فعلى حين غفلة، يتنبه السارد إلى اختفاء عتيق من الحافلة من غير أن تتوقف! « كيف حدث ذلك ؟ » (ص.8). وستتوقف الرواية في الأخير من غير أن يعثر له على أثر.

أعتقد بأن علينا، نحن النقاد، أن نبتدع لفظا آخر صالحا لتحديد هذه التقنية الفرية التي يكاد محمد عز الدين التازي منذ روايته الأولى « أبراج المدينة »، يختص بها بين أنداده الروائيين، تقنية المرور المفاجئ والعنيف من العادي إلى الخارق للعادة، من المعقول إلى اللامعقول، من غير لجوء إلى وسائط وآليات المحكي الفانظاستيكي المعيارية. ما رأيكم لو نسميها تقنية «عزتازية»؟

ولقد سبق لي، في دراسات سابقة لروايات التازي، بعضها منشور وبعضها الآخر غير منشور، أن حللت كيفية اعتمال هذه التقنية «العزتازية » وطبيعة رهاناتها الجمالية. وإمعانا مني في فحص خصوصياتها، سأنظر إلى روايته الأخيرة « بطن الحوت » من زاوية خاصة ودقيقة، هي استجلاء العلاقة بينها وبين عتبتين نصيتين أساسيتين لا محيد للقارئ عن اجتيازهما لبلوغ نص الرواية، وهما عتبة العنوان وعتبة الإيبيغراف (L’épigraphe).

/// – /// – /// – ///

يتصدر الرواية عنوان يزاول عليها أثر غريبا ويضطلع فيها بوظيفة لا تقل غرابة. بالفعل، يحيل ملفوظ « بطن الحوت » على قصة ورد ذكرها في القرآن، بطلها النبي يونس الذي هجر قومه بسبب تنكرهم لرسالته، ورحل مغاضبا على متن سفينة. وحدث أن ناء الثقل بالسفينة وسط البحر الهائج، فكاد الركاب يغرقون. فاتفقوا على التخلص من أحد منهم بواسطة الاقتراع، تخفيفا للحمل. فوقعت القرعة على يونس ثلاث مرات متتالية. فتم إلقاؤه في البحر، حيث التقمه حوت عظيم، من غير يأكله، بإيعاز من الله تعالى. ولبث حيا في بطنه المظلم يسبح لله، إلى أن أوحي إلى الحوت بأن يلفظه في ساحل البحر وهو سقيم.

باعتبار ملفوظ العنوان هو أول جملة في نص الرواية، فمن المغري بل ومن الطبيعي أن نتساءل عن صلته ببنيتها الكلية: فهل يكون المؤلف قام بتأنية لحكاية يونس مع الحوت تستجيب لمقتضى معاصر ما؟ أم هل يكون استوحى منها موضوع روايته أو استعار منها شكل أو أسلوب كتابتها؟

/// – /// – /// – ///

تحكي الرواية يوما عصيبا من حياة مدرس هو السارد عبد الجبار الفخار تعرض فيه لمحنة ضياع ابنه الوحيد عتيق ذي الأعوام السبعة وبحثه عنه من غير أن يجده. وبين بداية الرواية: «فجأة لم تعد يده تمسك بيدي كما كانت. لم أجده بجواري (…). الحيرة تأخذني. كيف انسلت يد عتيق من يدي من غير أن أشعر (…). أين سأبحث عنه؟ » (ص.-ص.7-9)، ونهايتها: «لا أعرف أين أذهب ولا أين علي أن أبحث عنه (…). بقيت أمشي وأنا أنادي: عتيق … عتيق » (ص.141)، سيهيم على وجهه طيلة « أيام أو شهور أو سنوات» (ص.84)، حيث سيجتاز مغامرات ومفاجآت ومصائب. هما إذن زمنان: يوم واحد وأمد غير محدود وضمنه زمن سرمدي. فكيف أمكن له أن يعيش زمنين مرة واحدة؟

حكاية غراب

الطبعة الأولى: منشورات سليكي إخوان، طنجة، 2007.

وها نحن أنا وأنت يا سعيد. يموت ملك ويأتي إلى الحكم ملك وأنا وأنت نعيش ونتابع ما يتعاقب من أحداث.

كلنا نتذكر الأحداث التي عاشها الوطن. عشنا ذلك اليوم الذي بكى فيه جميع المغاربة، كان العاشر من رمضان والناس صيام. نزل موت الملك الذي رأى الناس وجهه في القمر كالصاعقة. توجعت القلوب. لكن ولي عهده الأمير مولاي الحسن أراد أن يزيح الحزن عن الناس فبشر ببقاء الدولة وبقاء الملك، واستبشر الناس به. أصبح ملكا على البلاد، وسرعان ما وجد من رجال السياسة من يعارضونه ويرغبون في نظام جمهوري. في أول برلمان عرفه المغرب ظهرت المعارضة بمظهر قوي وهي تنتقد سياسة الحكومة، فأعلن الملك حالة الاستثناء، وفرض سلطته بدعامة من الجيش والمخابرات. ظهرت الجرأة على الأفكار الثورية والتحررية وأصبح النظام الملكي محط سؤال كبير.

عشنا أنا وأنت أحداث 65 التي شهدتها عدة مدن، وفي شوارع الدار البيضاء كان الجنرال أوفقير يرمي المواطنين العزل بالرصاص من فوق سيارته العسكرية. انتفاضة شعبية تم قمعها بواسطة الجيش، ولكن شرارتها لم تنطفئ، حتى مع اغتيال المهدي بن بركة”.

عيوشة / امرأة الشمس والقمر

(رواية للفتيان)

الطبعة الأولى: دفاتر المدرسة العليا للأساتذة، تطوان، العدد 7، نوفمبر 1996.

“حَدَّثَ الراعي حسن خالتهُ عيوشةَ عن مكان توجد به أقراص الشهد، وهي أقراص صنعها نحل بَرِّيٌ، فهناك بَنَى خلاياه، ولكن لا أحد يعرف مكان تلك الأقراص من سكان المدشر، فلأنه راع، فقد كان يعرف ما يوجد في الأرض أفضلَ من معرفة من يقعدون في المدشر فلا يجولون فيما حوله من مراع.

وعجبتْ عيوشةُ لوجود أقراص الشهد، فلم تدر سوى أن عَصْرَهَا يمنحُ عسلا، ولكن هل هي في حاجة إلى العسل؟ هل يأتي إليها العسل بعد أيام من الجوع؟ فما الذي يعنيه الراعي حسن؟

قال لها:

ـ يا خالتي عيوشة، سأطلعكِ على المكان الذي توجد فيه أقراص النحل، وسَأُرِيكِ كيف يمكننا أن نَطْرُدَ النحلَ حتى لا يَلْسَعَنَا، وذلك بإشعالِ النارِ وجعلِ الدخانِ كثيفا، فالنحل لا يحتمل ذلك الدخان. وأنا سوف آتي بأعواد الكبريت التي بها نشعل النار في أعشابٍ يابسةٍ، أو في حطب يابس، وساعتها سوف نحصل على الشهد.

قالت له:

ـ وماذا سوف نفعل بالشهد، حتى بعد حصولنا عليه، هل نستخرج منه عسلا لنأكله؟

قال لها:

ـ العسل سيكون كثيرا، وفوق ما يمكن أن نأكل، ولذلك فعليكِ أن تبيعيه في السوق، سوق القرية.

وقالت له:

ـ وأين هو الطريق إلى السوق؟

قال لها :

ـ أنا أدلك عليه.

وفعلا، ففي الغد ذهب الفتى حسن مع عيوشة إلى مكان الشهد، وحطبا حطبا أشعلا فيه النار، فَعَلاَ الدخان، وقَرَّبَا الدخانَ من مكان الشهد فتطاير النحل هاربا، وجَنَيَا شهدا كثيرا”.

يقول عنها الناقد عبد الفتاح الحجمري:

” هل هناك علاقة بين التربية (أقصد علوم التربية) والكتابة الروائية؟

ما هي طبيعة الحدود التي من الممكن إيجادها بين “التربوي” و”التخييلي”؟

ثم كيف نفهم تحققات “الخطاب التعليمي” الذي (قد) يشكل نواة التربوي والتخييلي حين نعاود طرح مثل هذه الأسئلة؟

تبدو هذه الأسئلة مهمة كلما حاولنا الاقتراب من تناول بحث موضوع الكتابة التخييلية للأطفال أو الفتيان، أي كلما حاولنا وصف القضايا (النظرية والتحليلية) الناتجة عن مشروعية “تخصيص” الكتابة و”توجيهها” لفائدة “فئة” محددة. تبادرت هذه الأسئلة إلى ذهني عندما انتهيت من قراءة الرواية الجديدة لمحمد عز الدين التازي: (عيوشة/ امرأة الشمس والقمر)، والتي أرادها أ، تكون موجهة للفتيان، والرواية من منشورات دفاتر المدرسة العليا للأساتذة بتطوان.

لا يختلف اثنان في أن الكتابة للأطفال والفتيان تقوم على تصورات محددة في بناء النص السردي أو الشعري، إن على مستوى اختيار الموضوعات وتفعيلها، أو على مستوى إدارة مناحيها التمثيلية والتخييلية تأكيدا لكل فائدة ومتعة مرجوتين. لا أعاود هنا طرح تصورات هذه الكتابة بغاية التنبيه إلى ضرورة توفر الكاتب على “الخبرة” و” التجربة” التي تؤهله لارتياد هذا النوع من الكتابة، لكني أو التنبيه إلى ضرورة استعادة التصورات الموازية لهذه الكتابة ومساءلة قصدياتها تدعيما لكل خصوصية يريد الكاتب تضمينها في برنامجه السردي أو الشعري حسب إسنادات محددة تربوية أو تعليمية بالأساس، وهذا ما يقرب المسافة بين التربوي / التعليمي والتخييلي على نحو عام.

لأجل ذلك، حين يرتاد كاتب ما عوالم الكتابة للأطفال والفتيان، فإنه يختار لحظات أساسية من تلقي العالم والعلاقات والسلوكات واكتشافها بدهشة وفرحة تمجد الحياة بتلقائية وتوصي بضرورة التوفر على “لذة” للكتابة نستعيد، من خلالها، رمزية حكائية منفتحة على الواقعي والتخييلي والعجائبي والغرائبي في ذات الآن.

هذه بعض السياقات التي أفترض أن محمد عز الدين التازي كان يستحضرها وهو ينقل حكايته حول (عيوشة) من أبعادها الشفوية إلى أبعادها الكتابية، بعدما حكاها، كما يقول في المقدمة التي صَدَّرَ بها روايته، لأبنائه عدة مرات، وسجل الحكاية على الشريط فاستمع إليه عدد من الأطفال. ولذلك، فإن الانتقال من الشفوي إلى المكتوب يُكسب الحكي مقروئيته، ويساهم في تشخيص متخيل تعبيري قائم على رمزية لغوية لها أيضا متعتها وبريقها الأخاذ.

أتفق مع محمد عز الدين التازي حين يعترف في مقدمته للرواية بأهمية السؤال التالي:

هل تَحَقَّقَ انسجام الجمالي والتربوي في الحكاية؟

تستتبع الإجابة عن هذا السؤال، في تقديري، تحديد المعاني الإحالية التي تقترن بتوظيف الرسوم المتخللة التي أبدع الفنان عبد الكريم الوزاني من خلالها إضاءة العديد من مسارات الحكاية. إنها، بتعبير آخر، دلالات “عبر ـ نصية” مقيدة بشخصيات وأحداث تفسح المجال للقارئ بتقديم توقعاته عبر لوحات تختزن المشهد السردي وتلفت النظر ببساطتها المتوهجة.

في ارتباط بهذا التقدير، يمكن اختبار حدود انسجام الجمالي والتربوي في تعيين تخييلية هذا النص الروائي الحكائي، وأنا هنا أربط الجمالي أساسا بتوظيف الرسوم المتخللة، والتي تعتبر بنية نصية ليس من الممكن الاستغناء عنها في قصص الأطفال والفتيان. أنها أفق تخييلي وترميزي ذو أبعاد دلالية يشخص المواقف بحيوية تخاطب العين وتمنحها متعة إضافية”.

الأعمال الكاملة

الروايات



الطبعة الأولى: منشورات وزارة الثقافة، 2005.

الكتابة منذورة للبقاء

قراءة في الأعمال الكاملة

عبد الفتاح الحجمري

1- لا تكون النصوص، قصصية أو روائية أو شعرية، لما تصدر ضمن الأعمال الكاملة “نصوصا مستقلة”، بل إنها تغدو “نصوصا متعانقة” تملي على قارئها اختيارا معينا يسمح باستخلاص رؤية قصصية أو روائية أو شعرية لهذا الكاتب أو ذاك، وتسهم أكثر في تركيب تصور للكتابة منشؤها سياقات أدبية وثقافية، هي جوهرها وحافزها.

ولذلك، تتيح الأعمال الكاملة إنجاز “قراءة جامعة”- من غير أن تكون “مانعة”- مصدرها أطوار من التجربة الإبداعية لصاحبها، ودليلها خبرته فيما حققه من بناء فني لكل عمل إبداعي بتلوينات أسلوبية، وأدوات لغوية، وموضوعات حكائية يتضافر فيها الرمزي والثقافي والاجتماعي والنفسي. ثم إن قراءة الإعمال الكاملة تمكن من وصف البنية التأليفية للنصوص الأدبية، وترسم ملامح تطورها التاريخي، من النص المفرد إلى النص الجمع، وفهم نوعية التقنيات الفنية التي يمكن للنصوص أن تظهرها و/أو تخفيها.

2- كانت الفترة الزمنية الممتدة من عام 1948 حين ولد محمد عز الدين التازي بحي القلقليين بفاس، وإلى حدود منتصف عام 1966 لما نشر أولى قصصه القصيرة وهو بعد تلميذ بالثانوي، كافية لتحفيزه على الاستمرار في اختياره التعبير الأدبي سبيلا لملاحقة أجواء طفولة شهدتها دروب فاس العتيقة، وأحوال مراهقة امتدت من انتقاله من المدرسة الأميرية لما حصل على الشهادة الابتدائية سنة 1960، إلى حين التحاقه بثانوية القرويين وحصوله فيما بعد على الباكلوريا عام 1967 وهي فترة تكون مبتدؤها تمثل لملامح ثقافة محافظة مطلعة على علوم اللغة والأدب العربي الكلاسيكي، ومنفتحة- في الآن ذاته- على خصوبة الأدب المغربي والعربي الحديث والآداب العالمية الرفيعة. وقد أعطى هذا كله ثمارا يانعة في ما سيكتبه التازي لاحقا من قصص قصيرة وروايات ومسرحيات وقصص للأطفال ونقد أدبي.

لظروف نشأة الكتاب أدوار فاعلة في تحديد مبررات الكتابة لديهم، عن قصد أو بدونه (لا يهم)، لأنها منبع الوعي قيمة التعبيرات الأدبية والثقافية التي تغني الوجدان والمشاعر، وتجعل الكاتب لا يخلف موعده كلما شاء له القدر أن يكشف بعض أسرار الضميمة، أقول قولي هذا وأنا على علم بحكمة للعلامة أمبراطو إيكو مفادها ” أن الحياة الخاصة للمؤلفين الفعليين لا يمكن سبر أغوارها، وهي في ذلك شبيهة بنصوصهم”. ورغم ذلك، تبقى لكل حكاية ورواية كائنات ومرئيات لعلها رجع حنين وملاذ إقامة لكل تليد وطريف، استعادته الذاكرة والتقطته العين.

زمن الكاتب هو زمن الكتابة: مزيج من الذاتي والغيري والعابر والظرفي، والتاريخي والحلمي والعجيب، وبعض ما تخثر في القلوب من قلق ورتابة سنوات ستينيات وسبعينيات وثمانينيات يمكن أن تقرأ صداها في كتابة محمد عز الدين التازي – وأحمد المديني – والميلودي شغموم – ومحمد زفزاف… كل وطرازه الأدبي الخاص والمعلوم لدى المنشغلين والمتابعين لأوضاع السرد بالمغرب الأقصى.

ولتجربة محمد عز الدين التازي في الكتابة الأدبية غناها وتميزها منذ مجموعته القصصية الأولى “أوصال الشجرة المقطوعة” وروايته الأولى ” أبراج المدينة” فهي تستمد غناها من جرأتها على التعبير عن قضايا واقع موسوم بانسداد الأفق وانهيار قيم خلال فترة عصيبة من تاريخ المغرب الحديث عقبت استقلاله، وتطلبت إيجاد مفهوم جديد للأدب يكون قادرا على الانخراط في لحظته التاريخية والاجتماعية، وهي تجربة تعلن تميزها عبر تجريب أساليب جديدة وابتداع أشكال تعبيرية تتجاوز تقريرية النثر الأدبي المحافظ والموروث عن بعض مؤلفات النصف الأول من القرن العشرين. وقد كان هذا الغنى والتميز لدى جيل التازي دليلا على قيمة نثر قصصي وروائي يتطلع نحو تشييد واقعية أدبية متحررة من إرغامات الجاهز والمسبق، وهذا يعني أن الواقعية الأدبية في النصوص الإبداعية الأولى للتازي والمديني وشغموم وزفزاف وعبد الله العروي ومبارك ربيع، أفرزت روايات راهنت على تجريب خطابات وأشكال مكنتها من إعادة النظر في متخيل الأنا وحركة الواقع الدال على ما هو محظور، والمتصل بما هو مهمش، ومكنتها –في مقام آخر- من تأمل سؤال الكتابة وجعله موضوعا من موضوعات الحكاية الروائية، ممزوجا بتفاصيل الحياة اليومية للشخصيات ومضيئا للعديد من مواقفها في الزمان والمكان.

3- لقد أصبح بالإمكان اليوم – وبعد صدور الأعمال الروائية الكاملة لمحمد عز الدين التازي(*) – إظهار خصوصية الكتابة لديه، ليس انطلاقا من تصور يمليه وعي نظري ونقدي جاهز، بل انطلاقا من مطلب الأدب كما يتحصل من نصوص قصصية وروائية هي منبع سؤال الكتابة، وهو سؤال ليس من السهل على أي كاتب صياغتها ولا على أي دارس استخلاصه، إلا إذا انتسب النص إلى التاريخ وكان حاملا لإضافة فنية لا مزعومة سرعان ما يخبو بريقها، لأنه لا سر لها ولا سحر.

يبدو محمد عز الدين التازي مقتنعا من أن:

“الكتابة وهي غير قابلة للتعريف الجاهز الذي يختزل طرائق اشتغالها وأنواع بنائها للأشكال، هي مغامرة حياة أخرى للإنسانية، تمتح من أبهاء التاريخ ومن تفاصيل اليومي والمحلي، وتستفيد من تجارب وصراعات الإنسان مع قوى الظلام وأعداء الديمقراطية وحملة شعارات التضليل والعشائر، وهي تتحارب،ولكنها وهي تمتح من ذلك، تنظر إليه كرمز، وكأسطورة حتى وإن كانت الأساطير معاصرة، أو لها وجودها الخاص في عصرنا”(**).

بهذا المعنى، يرهن التازي سؤاله للكتابة بأفق تجربة إنسانية لا تعتني بالأدب إلا بوصفه شكلا من الأشكال الممكنة لجعل التخييل صيغة للإيهام بالواقع أي البحث عن الوجود:

“وساعة تصبح الكتابة مشروعا للوجود. وشرطا أساسا لاستحضار لحظاته وتعثراته ويقينه وحيرته وربحه وخسرانه، ساعتها يحق للكاتب أن يقول: “أنا كاتب”.

ليس من السهل أن تكون الكتابة مشروعا للوجود. يعلم الكاتب- بالاقتناع والتجربة – أن الأمر عماده رحابة الخيال والثقافة والموهبة، وإقامة معنى للكتابة بين حدود المستحيل والمجهول، يؤكد محمد عز الدين التازي هذا بقوله:

” إنني لا أجد تحديدات محددة، لمعنى أن أكتب، أو لما أكتب وهذا الوضع قد يبدو قلقا ومخاتلا وواعيا بذهاب نحو المستحيل، ولكن الذهاب في الكتابة هو أجمل ما في هذا الذهاب، لأن المصائر ليست أبدا إلا في قبضة المجهول”.

أتصور أن فهما من هذا القبيل للكتابة لن يتأتى لصاحبه إلا بعد خبرة خصبة في الحياة، ومطالعة عميقة لتجارب أدبية آتية من آفاق مختلفة، ولذلك، يحوز هذا الفهم –ونظيره- غير قليل من التماسك حين يعين على استخلاص بعض أساسيات الكتابة كما تمثلها التازي وبذر معناها في النصوص الروائية المشكلة لهذه الأعمال الكاملة، والتي تقع في ثلاثة أجزاء تناهز في مجموعها 1781 صفحة. يضم الجزء الأول الروايات التالية: “أبراج المدينة” – “رحيل البحر” – ” المباءة” – “أيام الرماد”، ويحتوي الجزء الثاني على الروايات التالية: “فوق القبور تحت القمر” – “أيها الرائي” – “مهاوي الحلم” – “مغارات” – “ضحكة زرقاء” – “كائنات محتملة”، ويشتمل الجزء الثالث على النصوص الروائية الموالية: “خفق أجنحة” – “الخفافيش” – “دم الوعول” – “عيوشة امرأة الشمس والقمر”.

ويهتم التازي في هذه الروايات بإنشاء الكتابة وإدارتها حول تجريب أساليب في البناء ومجالات من الحكي قائمة على الاستبطانات الجوانية والرؤى الذهنية للأبطال والشخصيات، والعبور إلى مكامن اللاوعي، وقائمة كذلك على اعتماد تخييل مضاعف يفتح الحكاية الروائية على عوالم الغريب والعجيب والنكتة والحلم الملغز والسخرية الرمزية، ويضع القارئ في اهتماماته عبر تنويع منظورات السرد وتشغيل ضمير المخاطب، واللعب بأبنية لغوية مشذبة يمكنها أن تكشف جزءا من حقائق الأشياء والناس والعلاقات.

وعليه، نحس ونحن نقرأ هذه الأعمال الروائية الكاملة لمحمد عز الدين التازي، أننا أمام عمل إبداعي محكم البناء، شيق الحكاية، عميق التأمل في معنى الكتابة، في مغزاها ومرماها…

الهوامش:

(*) محمد عز الدين التازي: الأعمال الكاملة / الجزء الأول: 580 صفحة – الجزء الثاني: 589 صفحة – الجزء الثالث: 612 صفحة.

منشورات وزارة الثقافة، سحب مطبعة المناهل 2005-03-14

(**) العبارات والفقرات الموضوعة بين مزدوجتين هي آراء لمحمد عز الدين التازي انتقيتها من شهادته المضمنة في كتاب: “الكتابة والتخييل في أعمال محمد عز الدين التازي” منشورات نادي الكتاب، كلية الآداب بتطوان. ط 1 نونبر 1995.

أبنية الفراغ

أبنية الفراغ/ رواية جديدة لمحمد عز الدين التازي

“أبنية الفراغ” هي الرواية العشرون، التي تصدر مع مطلع العام الجديد 2009، للروائي والقاص المغربي محمد عز الدين التازي. روائي وقاص مغربي مداوم على الكتابة والنشر، يراهن على الكتابة ولا شيء غيرها. في هذه الرواية، يُجَدِّدُ من عوالم متخيله الروائي بالاقتراب من أوضاع مجتمعية تمس الدعارة وتجارة المخدرات والهجرة السرية، ومن خلال تناول سردي حكائي يشير إلى فاجعة مجتمع يراهن على التحول، ولكنه يصطدم بمعيقات من صلب تَكَوُُّنِهِ، أي ما يزعزع القيم والأخلاقيات، ويطرح المستقبل كسؤال أخلاقي عبر مجتمع فَقَدَ أخلاقيته فنالته الحرائق من كل جانب، حريق في “ملهى كوبا كابانا” في الدار البيضاء وحريق آخر في “محل القفطان الذهبي” في طنجة. بذلك لا تنتقم الرواية من أبطالها، لأن الحرائق هي من صنع أيديهم، ولكنها تمارس نقدا اجتماعيا، كما تمارس خوضا في أسئلة مجموعة من الذوات (التي هي شخصيات الرواية). أسئلة تتراوح بين معنى الحياة ومعنى التدين ومعنى الوجود. تتداعب الرواية عبر ضمير الأنا بمحكيات لشخصيات تتعارض في معنى وجودها في واقعها الاجتماعي، لكنها كلها تلتقي في سؤال عن الخلاص. تصنيع روائي جديد، ومغامرة جديدة في الكتابة التي تخترق أبعاد مجتمعها، وصوغ روائي متماسك. تلك هي بعض السمات الدلالية والجمالية ل”أبمنية الفراغ”، الصادرة في طبعتها الأولى، 2009، عن مؤسسة سليكي إخوان بطنجة، والمنشورة بدعم من وزارة الثقافة المغربية، في 226 صفحة من القطع المتوسط. على طي الغلاف الأول، نقرأ كلمة للقاص والمفكر العراقي المقيم في المغرب، الدكتور علي القاسمي: “محمد عز الدبن التازي كاتب حداثي، فقد سعى منذ أواخر الستينات إلى هدم الأسوار الوهمية بين الأجناس الأدبية، وإلغاء الحدود المصطنعة بين ألأنواع المختلفة لفعل الكتابة، فَأَلَّفَ روايات تحفل بالتعدد على مستوى الأشكال الفنية والفضاءات والشخصيات والأصوات السردية والمستويات اللغوية. لقد مارس الكتابة التجريبية إيمانا منه بأن التجريب مستوى من مستويات الحداثة”. وعلى طي الغلاف الثاني للرواية نقرأ كلمة للناقد الشاب الدكتور عبد المالك أشهبون جاء فيها:” من يكون ابن ضربان الشرياقي ومن يكون محمد عز الدين التازي؟ أيهما الحقيقة والوهم، وأيهما الصوت والصدي، وأيهما الواقع والخيال؟ أسئلة تتناسل في نواة هذه الأنا المنقسمة على نفسها، وتتوالد من رحمها الخلاق”. تُزَيِّنُ واجهة غلاف الرواية لوحة للفنان محمد الجعماطي.